Slideshows

الصناعة الدفاعية السعودية: القدرات والشراكات

Translator

تستثمر المملكة العربية السعودية بشكل منهجي في تطوير صناعتها الدفاعية الخاصة بها، وقدرات البحث والتطوير. ومن المتوقع أن يتم تخصيص نسبة ملحوظة تبلغ %50 من الإنفاق الدفاعي محلياً بحلول العام 2030. هذا يشكل خطة طموحة، ويبقى أن نرى ما إذا كانت السلطات في الرياض ستحقق هدفها.

لعقود مضت، افتقرت المملكة العربية السعودية إلى أي حافز لإنشاء صناعة دفاعية قوية خاصة بها. في حين أنشئت بعض الشركات في سبعينيات القرن الماضي، كانت قدراتها تركز بشكل أساسي على التجميع والصيانة بدلاً من الإنتاج، ناهيك عن التصميم. أحد الأسباب الرئيسية لهذا المنحى هو أن الحكومة كانت تخصص دائماً تمويلاً كافياً لحيازة أحدث الحلول في الأسواق العالمية. في الوقت نفسه، حافظت المملكة العربية السعودية على شراكة مهمة مع الغرب، الذي لم يتردد في تزويد الرياض بكميات كافية من الأسلحة والمعدات.

ووفقاً لشركة برايس ووترهاوس كوبرز (PwC)، استوردت المملكة العربية السعودية بين عامي 2015 و2019 بشكل رئيسي من الولايات المتحدة (%73) والمملكة المتحدة (%13).

كانت المملكة العربية السعودية خامس أكبر دولة من حيث الإنفاق العسكري في العام 2022 وفقاً لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) (بقيمة 68 مليار يورو، بزيادة قدرها %16 مقارنة بالعام 2021)، وهي بصدد إعادة صياغة أولوياتها. ويعود قرار إنشاء صناعة دفاعية محلية خاصة بها مع التركيز بقوة على البحث والتطوير إلى عدة عوامل مهمة.

أولاً، تراجعت حرية المملكة العربية السعودية في شراء الأسلحة بشكل ملحوظ. ولم تعد الولايات المتحدة حريصة على تزويد الرياض بجميع أنواع المعدات، إذ تعهد الرئيس بايدن بوقف مبيعات الأسلحة بسبب الحرب المثيرة للجدل في اليمن. وقد ظهرت شكوك مماثلة بشأن صادرات الأسلحة في ألمانيا أيضاً، حيث واجهت الرياض صعوبات في شراء دبابات «ليوبارد 2A7» Leopard 2A7 وطائرات «يوروفايتر» Eurofighter إضافية (على الرغم من أنه في الحالة الأخيرة، تم رفع الحظر في أوائل كانون الثاني/ يناير 2024). ومن شأن تطوير قدراتها الخاصة أن يمنح المملكة العربية السعودية مرونة أكبر في عالم متقلب وغير متوقع، ولا سيما مع سعيها لتعزيز استقلالها السياسي.

ثانياً، تهدف المملكة العربية السعودية، التي تخصص نحو %7.4 من ناتجها المحلي الإجمالي للدفاع، إلى محاكاة دول إقليمية على غرار قطر وخفض اعتمادها على صادرات الطاقة. في الوقت نفسه، تدرك الرياض التقلبات غير المتوقعة في سوق النفط. فعلى سبيل المثال، وصلت صادرات النفط الخام السعودي في آب/ أغسطس 2023 إلى أدنى مستوى لها في 28 شهراً. ويتطلب التحول التدريجي من دولة ريعية إلى إدارة أكثر دقة للميزانية. باختصار، لقد ولّى عهد الإنفاق العشوائي لمليارات الدولارات.

ثالثاً، المملكة العربية السعودية عازمة على عدم التخلف عن الركب، حيث تراقب الرياض من كثب نجاحات دولة الإمارات العربية المتحدة، التي أنشأت صناعتها الدفاعية الخاصة من الصفر في السنوات الأخيرة، بل وطورت برنامجاً فضائياً وطنياً، أسفر عن إرسال أول رائد فضاء إماراتي إلى الفضاء. وتُمثّل مجموعة EDGE جوهرة الصناعات الدفاعية الإماراتية. أما بالنسبة للمملكة العربية السعودية - التي تعتبر نفسها رائدة بين الممالك العربية في الخليج العربي - فإن توطين صناعة دفاعية محلية يُعدّ أيضاً مسألة سيادة.

GAMI Academy
رؤية الرياض

تم طرح المفهوم الطموح للمملكة العربية السعودية بالتفصيل في استراتيجية الحكومة تحت عنوان «رؤية 2030»، والتي تهدف إلى تعزيز اقتصاد أكثر تنوعاً لا يعتمد بعد الآن على عائدات قطاع الطاقة. وقد أعلنت هذه الاستراتيجية، التي صدرت العام 2016، عن استحداث آلاف الوظائف ذات المهارات العالية وزيادة انفتاح المملكة العربية السعودية على الاستثمارات الأجنبية. كجزء من هذه الاستراتيجية، يجري حالياً خصخصة الأصول المملوكة للدولة، بما في ذلك الشركات الرائدة والعقارات وغيرها من الأصول. ونتيجة لذلك، تطمح المملكة العربية السعودية إلى تحسين موقعها الحالي كأكبر اقتصاد في العالم، حيث تحتل المرتبة التاسعة عشرة، لتتبوأ مكانة ضمن أفضل خمسة عشر اقتصاداً.

وتشكل الصناعة الدفاعية إحدى ركائز هذا التحول، ولتحقيق أهدافها، تُصرّ الرياض على مشاركة محلية كبيرة في العمل واستثمارات من الشركاء الأجانب. ولهذا الغرض، وبدءاً من كانون الثاني/ يناير 2024، طُلب من جميع الشركات الأجنبية الراغبة في التعامل مع الحكومة السعودية إنشاء مقارها الإقليمية في المملكة؛ ولا يزال هذا الأمر ساري المفعول. ونقلت شبكة CNBC عن وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، قوله: «نُعطي الأولوية بالتحديد للشركات التي تُساهم في خلق القيمة حيث تُستهلك، والتي تُوفر وظائف عالية الجودة لسكان المملكة العربية السعودية، سواء كانوا سعوديين أو غيرهم، والتي تُساعدنا فعلياً على تحقيق نتائج عالية الجودة من احتياجاتنا، سواء كانت خدمات أو بضائع، بطريقة أفضل وأكثر فعالية».

من شأن رفع معدل التوطين، أي نسبة الصناعات الدفاعية المحلية التي تُمنح عقوداً لتوريد المعدات للقوات المسلحة والأمنية السعودية، أن تشكل أحد الأهداف الرئيسية للحكومة. عند الإعلان عن «رؤية 2030»، كانت لدى المملكة العربية السعودية ثالث أكبر ميزانية دفاعية في العالم. ومع ذلك، لم تتجاوز نسبة مشترياتها من الشركات المحلية %3، بينما كانت النسبة المتبقية تُستورد من الخارج. ووفقاً لبيانات رسمية صادرة عن «الهيئة العامة للصناعات العسكرية» GAMI، بلغت نسبة التوطين %8 العام 2020، ثم ارتفعت إلى %13.7 العام 2022، لتصل إلى ما يقارب %15 بحلول منتصف العام 2023. الهدف هو الوصول إلى نسبة %50 على الأقل بحلول عام 2030.

علاوة على ذلك، تتوقع الرياض مساهمة مباشرة من الصناعات الدفاعية لا تقل عن 22.7 مليار يورو في الناتج المحلي الإجمالي بحلول العام 2030. ويبلغ إجمالي فرص العمل المتوقعة بحلول العام 2030 نحو 100 ألف وظيفة (مباشرة وغير مباشرة)، وتبلغ القيمة الإجمالية لأكثر من 70 فرصة استثمارية ناتجة عن التوطين وسلسلة التوريد 65 مليار يورو. ولا تنطلق طموحات السعودية لتوسيع قدراتها الصناعية الوطنية من فراغ، بل تستند إلى أسس متينة، أحدها الاقتصاد. فبحسب إحصاءات البنك الدولي، بلغ الناتج المحلي الإجمالي للمملكة العربية السعودية نحو 874.16 مليار دولار أميركي في العام 2021، ونما إلى 1.11 تريليون دولار أميركي في العام 2022. وتحتل المملكة المرتبة السابعة عالمياً من حيث الأصول الأجنبية.

وقد تم تأسيس «الشركة السعودية للصناعات العسكرية» SAMI، وهي جزء من صندوق الاستثمارات العامة، لتصبح رائدة على المستوى الوطني. تهدف شركة SAMI إلى أن تكون من بين أفضل 25 شركة دفاعية وأمنية على المستوى العالمي بحلول العام 2030. ولدى الشركة خطة شاملة لا تقتصر على أن تكون مورّداً رئيسياً للأسلحة للجيش السعودي وقوات الأمن الداخلي فحسب، بل أن تكون أيضاً مركزاً إقليمياً يقدم خدمات متنوعة، بما في ذلك الإصلاحات والترميم والصيانة والإنتاج والتصميم والتحديثات.

 

SamiAEC
بناء القدرات

تأسست SAMI في أيار/ مايو 2017 بهدف خفض اعتماد المملكة العربية السعودية على التكنولوجيات والموردين الأجانب. ومنذ ذلك الحين، تطورت SAMI لتصبح ائتلاف شركات يضمّ شركاتٍ متعددة، تمّ الاستحواذ عليها من خلال عملية دمج محلية. فعلى سبيل المثال، في العام 2019، استحوذت على شركة قطع ومكونات الطائرات، التي تأسست العام 1988. وفي العام التالي، استحوذت SAMI على «شركة الإلكترونيات المتقدمة» AEC لتأسيس شركة «سامي للإلكترونيات المتقدمة»، وأطلقت شركة «سامي للمواد المركبة» SAMI Composites. وفي العام 2023، استحوذت SAMI على نسبة %51 من أسهم الشركة السعودية لدعم الطوافات (مع احتفاظ Boeing بباقي الأسهم). ورغم أن الشركة لا تستبعد الاستحواذ على شركات أجنبية، إلا أن ذلك ليس من أولوياتها الحالية.

وبوجود 341 موظفاً في العام 2020، توسّعت SAMI بسرعة لتصل إلى 2500 موظف بعد عامين فقط، ثم إلى ما يقارب 3600 موظف. إلا أن زيادة عدد الموظفين بشكل أكبر يطرح تحدياتٍ نظراً لنقص المهندسين السعوديين. ولمعالجة هذا الأمر، أنشأت GAMI في العام 2022 «الأكاديمية الوطنية للصناعات العسكرية»، القادرة على استيعاب ما يصل إلى 2000 طالب.

Patriot USAF Tech

 

بين عامي 2021 و2022، كان هدف الشركة السعودية للصناعات العسكرية SAMI هو الحصول على عقود حكومية، بينما في عامي 2023 و2024، كانت أولويات الشركة هو تطوير القدرات المحلية. ولتحقيق ذلك، أطلقت SAMI مجمع الأنظمة البرية الصناعية في الرياض في شباط/ فبراير 2023، معلنةً على موقعها الإلكتروني أنها تهدف إلى «توطين الصناعات الدفاعية وبناء قدرات محلية في هندسة وتصميم الأنظمة الأرضية، واختبارها، وتأهيلها».

وقد دخلت SAMI، التي ظهرت للمرة الأولى في معرض «دبي للطيران 2019»، في 12 مشروعاً مشتركاً رئيسياً على الأقل مع شركات أجنبية. وأتاحت هذه الاتفاقيات للمملكة العربية السعودية الوصول إلى خبرات تكنولوجية قيّمة. على سبيل المثال، من خلال شراكة مع شركة «سافران» SAFRAN، وسعت SAMI قدراتها في مجال الصيانة والإصلاح والترميم لتشمل صيانة وإصلاح محركات الطوافات، وتحديداً محركات «ماكيلا 1 و2» Makila 1 and 2  المستخدمة في الطوافات السعودية، بما في ذلك طرازي «سوبر بوما» Super Puma و«بانثر» Panther.

وبالتعاون مع شركة «لوكهيد مارتن» Lockheed Martin، تمكّنت المملكة العربية السعودية من تصنيع منصات إطلاق وأنظمة صواريخ THAAD، إضافة إلى إنشاء مركز لإصلاح حواضن التهديف المتقدمة «سنايبر» Sniper. كما استضافت الرياض مركز التميز لتصنيع المواد المركبة، عقب اتفاقية موقعة مع Lockheed Martin في حزيران/ يوليو 2022. ووفّرت مشاركة شركة «إس تي إنجينيرينغ» ST Engineering للمملكة العربية السعودية حلولاً مستقلة، بينما ساهمت شركة «بايكار» Baykar التركية في تحسين الخبرات المحلية في الأنظمة الإلكترونية والقطع الميكانيكية وهياكل الطائرات. إضافةً إلى ذلك، ستتمكن المملكة العربية السعودية من إنتاج مسيّرات Akinci محلياً.

SAMI Safran

 

وقد ساعدت شركة «بوينغ» Boeing المملكة العربية السعودية في إنشاء مرافق وتوفير الخبرات اللازمة لصيانة وإصلاح وترميم الطوافات. في الوقت نفسه، وفّرت صفقة مع شركة «إيرباص هليكوبترز» Airbus Helicopters للرياض مهارات أساسية في صيانة هياكل الطوافات، وعززت قدراتها في إصلاح معدات الهبوط والمحركات وملحقاتها وشفرات الدوار. وقامت الشركة السعودية للصناعات الثقيلة (SAMI) بإنشاء منشآت في منطقة «ملهم» Malham، وأشرفت على الأنشطة المتعلقة بالطوافات والطائرات والمسيّرات. وبدأت هذه المنشآت عملياتها في العام 2024. بالإضافة إلى ذلك، من المتوقع أن تبدأ منشآت في منطقة «الخرج» Al Kharj عملياتها بحلول العام 2026، مع التركيز على إنتاج وتجميع وإصلاح العربات الخفيفة. كما أبرمت المملكة العربية السعودية اتفاقيات تعاون صناعي مع شركات «بي إيه إي سيستمز» BAE Systems ، و«تاليس» THALES، و«إل 3 هاريس» L3Harris ، و«سافران لمحركات الطوافات» Safran Helicopter Engines ، و«جون كوكرل» John Cockerill ، و«فيجياك إيرو» Figeac Aero.

boasts the Mulhim battle management system designed for brigade-level units and below

في الوقت نفسه، أبرمت الشركة الوطنية للأنظمة الميكانيكية (NCMS)، التي يقع مقرها أيضاً في الرياض، اتفاقيات تعاون مع شركتي الدفاع التركيتين «روكيتسان» Roketsan و«أسيلسان» Aselsan. وتمنح هذه الاتفاقيات الشركة الوطنية للأنظمة الميكانيكية حقوق تصنيع أنواع مختلفة من الذخائر والمستشعرات للمسيّرات. كما أن كل من المؤسسة العامة للصناعات الدفاعية (GAMI) والمؤسسة السعودية للصناعات الدفاعية أجرتا (SAMI) استثمارات مهمة في مجال الأمن السيبراني. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أطلقت الرياض برنامجاً لتطوير أنظمة اتصالات محلية الصنع، إضافة إلى أنظمة مستقلة للمراقبة والاستطلاع والقتال. ويفترض أنه تم أيضاً نقل التكنولوجيا، بما في ذلك تكنولوجيا الطائرات المسيّرة المسلحة، من الصين.

وفي تشرين الأول/ أكتوبر 2023، أفادت التقارير أن «سيول» Seoul والرياض أصبحتا في «المرحلة النهائية من المحادثات» بشأن شراء أنظمة دفاع جوي وصاروخي. ويُعدّ هذا الأمر بالغ الأهمية بالنسبة للمملكة العربية السعودية نظراً للتهديد الصاروخي من اليمن آنذاك. ومن المرجح أن يشمل الاتفاق أيضاً نقل التكنولوجيا، وهو أولوية بالنسبة للمملكة، إذ تعتمد الرياض حالياً على أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الغربية. وفي الوقت نفسه، تُشير بعض التكهنات إلى أن المملكة العربية السعودية تسعى للتعاون مع شركاء أجانب في مجال أسلحة الطاقة الموجهة.

Sami
شراكة راسخة بين المملكة العربية السعودية وشركة Lockheed Martin

يستأثر العملاقُ الدفاعي «لوكهيد مارتن» Lockheed Martin بتاريخٍ من النشاط المثمر في المملكة العربية السعودية منذ أكثر من 60 عاماً، ويتولّى العميد (المتقاعد) جوزيف رانك (Joseph Rank) حالياً منصب المدير التنفيذي لشركة Lockheed Martin في المملكة العربية السعودية وأفريقيا، وهو يتوق إلى ترسيخ هذه العلاقة المتينة وضمان استمراريّتها.

وُلِدَ العميد جو رانك في العام ذاته الذي استلمت فيه المملكة العربية السعودية طائرة C-130 الأولى من شركة Lockheed Corp آنذاك. وتحتلّ طائرة النقل هذه المتعدّدة الأدوار مكانةً خاصة في وجدان رانك إذ إنها كانت الطائرة الأولى التي قفز منها بالمظلة أيام كان منضوياً في قوّات المظلّيين. ويقول في ذلك: «لقد كانت طائرة بديعة وقد أحببتها».

وامتدّت «علاقة الحب» هذه إلى منطقة الخليج العربي. وتمثّلت تجربتُه الأولى في انتشار وحدته في المملكة العربية السعودية، والكويت، والعراق في إطار عملية «درع/عاصفة الصحراء» (Desert Shield/Storm).

وتواصلت هذه العلاقة فيما كان يترقّى في الرُّتَب العسكرية لدى الجيش الأميركي ومع تبدُّل أدواره. وتولّى مناصب دبلوماسية في الخارج بصفة مُلحقٍ دفاعي في كُلٍّ من الإمارات العربية المتحدة، والأردن، ولبنان، واليمن حيث اعتُمِدَ في تلك الدول كضابطٍ عسكري أميركي كبير ممثِّلاً لوزارة الدفاع الأميركية ومسؤولاً عن بناء شراكةٍ بما في ذلك الإشراف على توزيع مساعدات بقيمة تربو على 20 مليار دولار كمعداتٍ أميركية وتدريب.

وقد استُدعِي إلى البنتاغون حيث عَمِل كنائبِ مساعِدٍ مفوّض لوزير الدفاع لسياسة الشرق الأوسط، كي يُقدِّم المشورة مباشرة إلى وزير الدفاع.

ولا عجب إذاً أنه بعدما تقاعد برتبة «عميد» تمّ اختياره من قِبل أكبر المقاولين الدفاعيين في الولايات المتحدة للعمل معهم، ومنحه المنصب المناسب في المجال الذي يبرع فيه.

C-130 for cadre

 

والعميد رانك هو من المُعجبين بشدّة بـ «رؤية السعودية 2030»، وهو يُحفِّز التغيُّرات استناداً إلى خلفيةٍ عريقة قديمة العهد من الشراكات المتينة مع البلد المضيف.

وتابع رانك يقول: «إنّ نموذجنا في الشراكة يختلف قليلاً عن بعض الشركاء الصناعيين الآخرين. فنحن لا نبني مؤسسة كبيرة فقط، بل ما نقوم به فعلاً هو الاستثمار في شركات محلية والحرص على بناء قدراتها، كي تصبح بدورها شركاء صناعيين في المملكة».

وأوضح: لدينا خبراء من Lockheed Martin في داخل تلك المؤسّسات، يقومون بمراقبة الجودة، ويُظهرون لهم سُبلَ بناء حاويات إطلاق، وطرق تطوير منصات إطلاق، والقيام بأمور مهمة تحتاجها المملكة. وهو ما نُضاعف وتيرته حالياً بالفعل. وبصراحة، يستهلك ذلك الكثيرَ من وقتنا، لكنّه مثيرٌ حقّاً».

وقال رانك مستغرباً إنّ هناك العديد ممن يُقلّل من قيمة ثروة المواهب الموجودة في المنطقة عموماً وفي المملكة العربية السعودية خصوصاً. وأكّد بدوره: «هناك قدرٌ من المواهب هنا أكثر من أي مكانٍ آخر في العالم. لقد التقيتُ بعائلاتٍ تحمل ثلاثةُ أجيالٍ منها شهادةَ الدكتوراه. فهم قومٌ في غاية الذكاء وموهوبون بشدّة».

وبينما يجري تطبيق استراتيجية الطيران والدفاع في المملكة العربية السعودية، ثمة تنافسٌ على المواهب لا ينفك يتطور. وعبّر رانك عن ثقته بأنّ شركة Lockheed Martin ستواصل استقطاب المواهب السعودية الفتيّة.

نقلة نموذجية

كشف رانك أنه في صيف العام 2023 «نفّذنا برنامجاً مثيراً وتعاونت معنا ثلاثُ مهندسات سعوديات في وظائف تدريبية في العمل على مشروعٍ يستخدم الذكاء الاصطناعي لرصد وكشف عيوبٍ في طبقة الطلاء الذي طُلِيت به الطائرة، خصوصاً في تلك الطائرات التي تُحلّق أسرع من سرعة الضوء. فمثل هذا الطلاء ينبغي أن يكون آمناً بالفعل. وبعض تلك الأمور التي ساعدتنا المهندسات السعوديات على اكتشافه هو ما تعتمده Lockheed Martin حالياً».

وقال رانك إنّ هذه النقلة النموذجية أو التحوُّل الجذري حالياً تؤكّد على أهمية بناء محتوى في المملكة، وأوضح: «إننا نعمل مع ’شركة الإلكترونيات المتقدّمة‘ Advanced Electronics Company - AEC، وهي جزء من ’الشركة السعودية للصناعات العسكرية/سامي‘ SAMI، ونعمل أيضاً مع ’الشركة العربية الدولية للإنشاءات الفولاذية‘ AIC Steel في مدينة جدّة السعودية وعددٍ من الشركات الأخرى».

ولا يزال إرث طائرة C-130 حيّاً، لكن Lockheed Martin قد وسّعت خط منتجاتها وتلك الشراكات المُثمرة لانخراط المملكة فيها أكثر فأكثر: من الرادارات إلى الطوافات، ومن النشاطات المضادة للمسيّرات إلى قدرات قيادة وسيطرة كاملة - وفي ما يتعدّى ذلك.

وختم رانك: «إنّ الفضاء هو ميدان فرصٍ مثيرة للاهتمام في المنطقة. ولقد أعلنت القيادة في المملكة العربية السعودية بأنّ الأولوية ستكون لهذا الفضاء. ونحن نملك الفرصة لإرساء شراكةٍ وعملٍ مع المملكة على قمرٍ صناعي للاتصالات آمن جداً، وهو ما أعتقد أنه سيُشكّل الفرصة الأولى من بين فرص عديدة وجديدة نأمل باغتنامها في المملكة العربية السعودية».

القوة الحالية

لغاية مطلع العام 2024 كانت محفظة الصناعات الدفاعية السعودية متواضعة جداً، وكان المشروع الأبرز لشركة السعودية للصناعات الدفاعية SAMI حتى ذلك الوقت هو مشروع «السراوات» Al-Sarawat ، الذي يتعلق بإنتاج خمس سفن حربية جديدة من فئة «أفانتي 2200» Avante 2200  بطول 104 أمتار، بالتعاون مع شركة «نافانتيا» Navantia الإسبانية (حيث أسست الشركتان مشروعاً مشتركاً تحت مسمى «سامي نافانتيا» SAMINavantia). وُقّعت الاتفاقية في العام 2018، وتم حيث أطلقت السفينة الأخيرة في إسبانيا في كانون الأول/ ديسمبر 2021. وقد كُشف أن الجانب السعودي قدّم نظام القتال البحري «حازم» Hazem ، والذي وصفته Navantia بأنه «أول نظام سعودي بالكامل لإدارة العمليات البحرية، تم تطويره من خلال نقل التكنولوجيا من Navantia».

ومن المنتجات الأخرى التي عرضتها SAMI مركن السلاح المشغّل عن بُعد «رؤيا» Roaya، والمخصص للعربات الخفيفة، والمصمم ليُجهز إما برشاش متوسط عيار 7.62 ملم أو رشاش ثقيل 12.7 ملم، أو قاذف رمانات عيار 40 ملم. تفتخر الشركة أيضاً بنظام إدارة القتال Mulhim المصمم للوحدات على مستوى اللواء وما دونه. وكانت الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI)  تسعى إلى إيجاد شريك أجنبي لمواصلة تطوير إضافي لهذا النظام.

وتم نقل التكنولوجيا من خلال التعاون مع شركة «هانوا» Hanwha، بموجب مذكرة تفاهم وُقعت في العام 2019، وشركة «إيدج» EDGE. ونصت الاتفاقية على أن تشارك المملكة العربية السعودية في تصنيع 149 عربة مدولبة من طراز «نمر جيس» NIMR Jais (4×4)، على أن تتولى الصناعة السعودية مهمة دمج الأنظمة المحلية.

وأقامت الصناعة السعودية تعاوناً مع البرازيل، عقب توقيع مذكرة تفاهم في آب/ أغسطس 2023. وتشمل الاتفاقية عدة شركات، من بينها «إمبراير» Embraer و«توروس» Taurus ، مع وجود شائعات بأن الأخيرة تدرس افتتاح مصنع في المملكة العربية السعودية. وفي هذا السياق، وقّعت شركة «أفيبراس» Avibras البرازيلية اتفاقية تعاون مع شركة «سكوبا» SCOPA السعودية، التي تأسست العام 1979 في الرياض، وهي شريك لشركات أميركية وأوروبية في قطاعات صناعية متنوعة. ومن المتوقع أن يشمل التعاون مع البرازيل عربات عسكرية خاصة بالمدفعية، والصواريخ البالستية والموجهة، بالإضافة إلى معدات قطاع الفضاء.

Roaya
خطط مستقبلية

في الوقت الراهن، يصعب تحديد ما إذا كان السعوديون سيحققون طموحاتهم، والتي تشمل خطة لجعل الصادرات تمثل 30% من أعمالهم. إن بناء قدراتهم الخاصة - سواء من حيث المنشآت أو خبرة مهندسيهم - سيستغرق سنوات عديدة، وإلى جانب النجاحات، ستكون هناك بلا شك انتكاسات. من جهة، تمتلك هذه الدول الإمكانات اللازمة لذلك، بما في ذلك موارد مالية ضخمة. وتُعدّ الإمارات العربية المتحدة من خلال «مجموعة إيدج» EDGE Group خير مثال يُحتذى به.

ولا تقلّ المملكة العربية السعودية جاذبيةً كشريك لشركات الدفاع الأجنبية. إلا أنها، من جهة أخرى، تفتقر إلى الخبرة، وتُشكّل طموحاتها تهديداً محتملاً للوضع الراهن في صناعة الدفاع. بعبارة أخرى، ترغب شركات الدفاع الرائدة في بيع منتجاتها وحلولها، لكنها لن تُرحّب بظهور منافس قوي في السوق.

على الرغم من أن محفظة المنتجات السعودية كانت متواضعة لغاية العام 2024، وتعتمد بشكل أساسي على الحلول المُقلّدة، فقد تم عرض منتجات جديدة خلال معرض الدفاع العالمي 2024، الذي تُنظّمه  (GAMI) في الرياض في شباط/ فبراير، والتي أُنشئت ليس فقط لإدارة المشتريات العسكرية، بل أيضاً للإشراف على قطاع الدفاع المحلي والترويج له. ومن المُقرّر أن تحظى «المؤسسة السعودية للصناعات الدفاعية» (SAMI) بأكبر مساحة عرض في المعرض، سواءً الداخلية أو الخارجية.

Date
Issue Months
Year
2026
Page No
24

Featured News