الهجمات المضادة للسفن في البحر الأحمر تفرض خيارات صعبة للبحريات
تمكّنت جهة غير حكومية من توظيف قدرة عسكرية متطورة تُشكّل تهديداً بالغاً للملاحة البحرية الدولية. ومع إضافة التهديدات المقبلة من دول أخرى، قد تحتاج القوات البحرية الغربية إلى إعادة تقييم أعداد السفن وتجهيزها بقدرات متطورة.
في 11 كانون الثاني/ يناير 2024، شنّت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ضربات هجومية ضد مواقع للحوثيين في غرب اليمن. وهذه هي المواقع التي أطلق منها الحوثيون وابلاً من الهجمات الصاروخية والمسيّرات ضد سفن الملاحة التجارية في جنوب البحر الأحمر، ما سبب تعطيلاً كبيراً لطرق العبور الرئيسية للتجارة العالمية.
أصدرت الولايات المتحدة تحذيراً شديد اللهجة، في 3 كانون الثاني/ يناير، ووقّعته 14 دولة، دعا إلى الوقف الفوري لما وصفه البيان بالهجمات غير الشرعية، قائلاً «سيتحمل الحوثيون مسؤولية العواقب إذا استمروا في تهديد الأرواح، والاقتصاد العالمي، وحرية تدفق التجارة في الممرات المائية الحيوية في المنطقة».
شملت العواقب ضربات شنّتها طائرات هجومية أطلقت من حاملات الطائرات التابعة للبحرية الأميركية، وأخرى أرضية تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، وصواريخ Tomahawk أطلقت من مدمرات تابعة للبحرية الأميركية. واستمرت ضربات Tomahawk لليلة ثانية.
إن التحدي الاستراتيجي في هذه الأزمة في أن ممر مضيق باب المندب في البحر الأحمر وخليج عدن يُعدّ أحد أهم نقاط المضائق البحرية الرئيسية في العالم. وهو، بالإضافة إلى قناة السويس شمالاً، مهم لأنه لا يربط محيطين فحسب، بل يربط أيضاً مسرحي العمليات العالميين الرئيسيين اليوم - المحيط الأوروبي الأطلسي والمحيط الهندي الهادئ.
يتمتع مضيق هرمز بأهمية استراتيجية مماثلة، بسبب حجم وقيمة النفط والغاز اللذين يمران عبره.
تقع إيران شمال مضيق هرمز مباشرةً: ويقيم وكيلها اليمني - الحوثيون - شمال شرق البحر الأحمر/باب المندب/خليج عدن. ومن خلال توجيه وتسليح الحوثيين، يمتد نفوذ إيران الآن عبر كلتي نقطتي المضائق. وشكلت الضربات الهجومية للولايات المتحدة والمملكة المتحدة، وعملية حارس الازدهار (OPG) التي تركز على الدفاع بقيادة البحرية الأميركية والتي تأسست في منتصف كانون الأول/ ديسمبر، لحماية الملاحة التجارية، لردع إيران باعتبارها وكيلاً للحوثي.
تحمل الحوثيون عواقب الضربات على المستوى العملاني. وسيدركون الآن أن ليس النفوذ الذي يتمتعون به لوقف حركة المرور البحري فحسب، ولكن أيضاً العواقب الحركية لسحب هذا النفوذ. بالنسبة لإيران، كما هو الحال بالنسبة للحوثيين، فإن أزمة الملاحة في البحر الأحمر هي وسيلة لتعقيد السياسة الأميركية وردود الفعل تجاه الصراع المستمر بين «إسرائيل» وحماس في غزة، من خلال تصعيد الأمور إلى أزمة أمنية على مستوى المنطقة. وإحدى المبررات الاستراتيجية التي تدفع إيران للضغط على الحوثيين أن هذا النشاط يشكل جزءاً من نموذج من الجهود الأوسع التي تبذلها دول غير متحالفة مع الولايات المتحدة لتحدي النظام الدولي المتمحور حول الغرب. بالنسبة للدول الغربية عموماً، ولحلفائها وشركائها على وجه الخصوص، هناك عواقب يجب أخذها بالاعتبار عندما تدعو الحاجة إلى الحفاظ على النظام الدولي من خلال توفير نظام جيد في البحر وحرية الملاحة التي هي المطلب الناتج عن بناء قوة بحرية موثوقة والحفاظ عليها.
على المستوى متعدد الجنسيات، يشمل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي وتحالفات الراغبين (كما تم تشكيلها معاً من أجل OPG) بشكل جماعي قوى بحرية جماعية ذات قدرات عالية ومتكاملة إلى حد كبير على مستوى لا يمكن للخصوم المحتملين إلا أن يطمحوا إليه. ومع ذلك، على المستوى الوطني، شهدت العديد من الدول الغربية انخفاضاً كبيراً في حشد البحرية الوطنية خلال عقود ما بعد الحرب الباردة المتتالية من خفض عدد المنصات. تقوم السفن الحربية الغربية الحديثة بتوفير الأمن البحري من خلال العمليات الدفاعية لـ OPG وهي أنظمة متطورة على غرار الصواريخ المعيارية من Raytheon وأنظمة صواريخ سطح-جو Aster من MBDA. في الواقع، حتى القوات البحرية الإقليمية الشرق أوسطية تقوم بشراء فرقاطات وفرقيطات جديدة مجهزة بصواريخ سطح-جو غربية على غرار MBDA Aster وMICA المطلق عامودياً وصاروخ RIM-116C RAM Block III من Raytheon.
ومع ذلك، قد لا تكون القدرة هي المشكلة بقدر ما هي الأعداد. لا يمكن للسفينة الحربية أن تكون في مكانين بالتزامن. لا تزال القوات البحرية الغربية تعاني من عواقب خفض أعدادها، وذلك في ظل صراعين رئيسيين جاريين على الساحة الأوروبية الأطلسية، وأزمات دولية مثل أزمة البحر الأحمر التي تُبعد السفن عن هذه الالتزامات وغيرها من الالتزامات التي لا تقل أهمية.
يقول نيك تشايلدز، الزميل البارز في القوات البحرية والأمن البحري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، إن القوات البحرية غالباً ما تمتلك سفناً حربية أقل مما كانت عليه في السابق. «لذلك، حتى البحريتين الأميركية والملكية ستواجهان صعوبة بالغة في الحفاظ على وجودهما الحالي في الشرق الأوسط إلى أجل غير مسمى من دون التفريط في التزامات أخرى».
لعبت مدمرة الدفاع الجوي Type 45 HMS Diamond التابعة للبحرية الملكية البريطانية دوراً رئيسياً في الدفاع عن الملاحة في البحر الأحمر. عادت السفينة في أوائل تشرين الثاني/ نوفمبر فقط من مهمة استخدام مجموعة ضاربة المحمولة على حاملات الطائرات البريطانية إلى بحري الشمال والنروج، ولكنها كانت متجهة إلى الخليج في غضون أسبوعين. كان من المقرر أن تكون Diamond موجودة في الخليج إلى جانب الفرقاطة Type 23 HMS Lancaster التابعة للبحرية الملكية والمتمركزة في البحرين. وبدلاً من ذلك، كلتا السفينتين موجودتين الآن في البحر الأحمر.
في 9 كانون الثاني/ يناير، أعلنت المملكة المتحدة أن الفرقاطةType 23 HMS Richmond سوف تستخدم أيضاً في البحر الأحمر، لتنوب عن Diamond أو Lancaster إذا احتاجت أي من السفينتين إلى الانسحاب، بما في ذلك إعادة الإمداد.
تتطلع بعض البحريات الغربية بالفعل إلى إجراء زيادات صغيرة وتدريجية في مستويات القوة. ومع ذلك، وبالنظر إلى معدل وحجم زيادة عدم الاستقرار الدولي، فقد لا يكون هذا كافياً. يقول تشايلدز: «قد تكون هناك حاجة إلى مزيد من الاستثمار الكبير في تعزيز أعداد الأسطول والقول إن الجهود الحالية لا ترقى إلى مستوى التحدي». «ومع ذلك، يكمن التحدي في زيادة الأعداد بسرعة، خاصةً في ظل غياب الموارد والقدرات الصناعية اللازمة».
ومن عواقب أزمة الملاحة في البحر الأحمر على البحريات الغربية، استخدام الحوثيين للصواريخ الباليستية والجوالة المضادة للسفن، وأنظمة المسيّرات والأنظمة السطحية، واستخدامهم لبعض هذه القدرات في سياقات عملانية جديدة، على غرار استخدامها ضد السفن التجارية للمرة الأولى.
أثناء فترة ما بعد الحرب الباردة، ناقشت القوات البحرية الغربية خفض ميزانيات وأعداد منصات من خلال تطوير هياكل قوة ثنائية الطبقة، مع سفن ذات قدرات أقل مصممة لمهام لا تواجه فيها تهديدات عالية الحدة قائمة على الدول. لكن الجهات الفاعلة غير الحكومية مثل الحوثيين تشكل الآن تهديداً أكثر تعقيداً للسفن التجارية والبحرية، ما يشير إلى أن مثل هذا التقسيم للعمل قد لا يكون خياراً.
على المدى البعيد، إن تقسيم العمل يمكن تحقيقه باعتماد التكنولوجيات الجديدة، لتوليد خرج محسن من دون الحاجة إلى بناء أعداد المنصات. ومع ذلك، يقول تشايلدز: إن الوضع الأمني في البحر الأحمر يشير إلى أن الوجود والمنصات لا يزالا مهمين. ويضيف: «بالنسبة لبعض الدول، مع ما يبدو وكأنه صحوة حقيقية في التصورات حول أهمية التجارة والاتصالات البحرية، قد يكون هذا هو الوقت المناسب لاتخاذ بعض الخيارات الاستراتيجية الحقيقية، بما في ذلك ما إذا كانت الأولوية يجب أن تكون للاستثمار أكثر في القدرات البحرية والملاحية».^