مسارٌ دفاعي جديد للمملكة العربية السعودية وفق «رؤية 2030»
يَتَّسِم المشهد الدفاعي في المملكة العربية السعودية بأهميةٍ استراتيجية، وجهود تحديث متواصلة، والتزام بالاستقرار الإقليمي. ولطالما أدركت المملكة العربية السعودية، بصفتها لاعباً رئيسياً من الناحية الجيوسياسية في الشرق الأوسط، الأهمية القصوى للحفاظ على بنية تحتية دفاعية مُحكَمَة من أجل صون مصالحها الوطنية والإقليمية. وقد تطوّر هذا المشهد الدفاعي على مر السنين، ليشتمل على عناصر عديدة مثل المستجدّات التاريخية، والشراكات الاستراتيجية، وإنجازات التقدّم التكنولوجي، والتوافق مع مبادرة «رؤية 2030» الطموحة. وبعدما استضافت المملكة العربية السعودية العام الفائت «معرض الدفاع العالمي 2024» (World Defense Show 2024)، فإنّ الجوانب الدقيقة لصناعة الدفاع في المملكة من ناحية تطوّرها التاريخي، وتحالفاتها الاستراتيجية، وتقدّمها التكنولوجي، وانسجامها مع مبادرة «رؤية 2030» الطموحة هي الخطوات المُثلى في عالمنا اليوم.
وقد سجّلت المملكة العربية السعودية تقدّماً كبيراً في القطاع الدفاعي على مدى السنوات الأخيرة، وهي باتت تُعتبر لاعباً رئيسياً في سوق الدفاع العالمية.
وفي فترة سابقة، ركّز قطاع الدفاع في المملكة بشكل أساسي على تجميع وترميم العتاد والأسلحة المصنوعة في الخارج. وفي الآونة الأخيرة، اتبعت البلاد نهج الاعتماد على الذات في الصناعة العسكرية. وقد جاء الحافز وراء هذا التغيير من عوامل عديدة، بينها الثروة النفطية الهائلة للبلاد، وموقعها الاستراتيجي في صميم الشرق الأوسط، ورغبتها في خفض اعتمادها على الواردات الخارجية.
أما من ناحية التقارير، فقد بلغ حجم سوق الدفاع في المملكة العربية السعودية قرابة 15.87 مليار دولار في العام 2024، مع توقّعات أن يصل هذا الحجم إلى 19.39 مليار دولار بحلول العام 2029، ما يعكس معدّلَ نمو سنوي مركّباً (CAGR) قدره %4.09 على مدى الفترة المشمولة بالتوقّع (العام 2024-2029). وتُبدي الحكومة السعودية التزاماً استراتيجياً بتحديث قدراتها العسكرية بحلول العام 2030، بما في ذلك مشتريات تتضمن مقاتلات نفاثة جديدة، وسفن سطح حربية، وعربات مدرّعة. وإضافة إلى ذلك، كان ثمة تأكيد متزايد على الاستثمار في قدرات «القيادة والسيطرة والاتصالات والكومبيوترات والاستخبار والمراقبة والاستطلاع» (C4ISR)، وحلول الأمن السيبراني، في السنوات الأخيرة.
تعود مسيرة المملكة العربية السعودية نحو تطوير صناعة دفاع مُكتفية ذاتياً إلى عقود عديدة. فبعد اعتمادها تقليدياً على مورّدين أجانب لتلبية احتياجاتها العسكرية، انطلقت المملكة على مسار التنوّع و«السعودة» لخفض الاعتماد على الغير وتعزيز قدراتها الدفاعية. وشكّل تأسيس «الشركة السعودية للصناعات العسكرية/ سامي» (SAMI) خطوة حاسمة في هذا المسار. وقد أدّت شركة SAMI دوراً مركزياً في تمكين القدرات الدفاعية للمملكة والتنسيق في ما بينها، وتعزيز التعاون مع شركاء دوليين ودفع الابتكار المحلي.
أمّا الدافع الرئيسي في تطوّر الصناعة الدفاعية في المملكة العربية السعودية فيعود إلى الشراكات الاستراتيجية مع مُصنِّعين دفاعيين طليعيين على مستوى العالم. فالتعاون مع عمالقة الصناعة على غرار «لوكهيد مارتن» Lockheed Martin، و«ب أيه إي سيستمز» BAE Systems، و«بوينغ» Boeing لم يستحضر التكنولوجيات المتقدّمة والخبرات العالية إلى المملكة فحسب بل سهّل أيضاً نقل المعرفة وتطوير المهارات وسط القوى العاملة المحلية. وتتماشى هذه الشراكات مع أهداف «رؤية 2030» السعودية لاستحداث اقتصاد حيوي ومتنوّع، وخفض الاعتماد على إيرادات النفط، وتوطيد أركان مجتمع يستند إلى المعرفة.
تتمثل إحدى النواحي الأبرز لتطوّر الصناعة الدفاعية في المملكة العربية السعودية في تركيزها على تطوير قدرات محلية وكذلك الاستثمار في أحدث التكنولوجيات المتطوّرة. وكانت «الشركة السعودية للصناعات العسكرية/سامي» (SAMI) أداة مساعدة في تعزيز المبادرات الوطنية للأبحاث والتطوير، تلك الهادفة إلى تطوير وصناعة أنظمة دفاعية متقدّمة داخل المملكة. ويُظهر تطوير أنظمة صواريخ محلية، و«مسيّرات» (UAV) وقدرات سيبرانية محلياً التزام المملكة العربية السعودية بالاكتفاء الذاتي من الناحية التكنولوجية.
ومن بين أبرز قصص النجاح، نظام الحرب الإلكترونية المدمج (IEW) «الجنادرية» (Al-Janadria)، الذي طوّرته شركة SAMI. ويُمثِّل نظام «الحرب الإلكترونية المدمج» هذا قفزة نوعية إلى الأمام في قدرات «الحرب الإلكترونية»، ما يُعزِّز من قدرة المملكة على التصدّي لتهديدات ناشئة في المجال السيبراني. ومثل هذا الإنجاز لا يُعزّز فقط المكانة الدفاعية للمملكة العربية السعودية بل يجعلها أيضاً في موقعٍ كلاعب أساسي في سوق «الحرب الإلكترونية» العالمية.
يتبدّى التزام المملكة العربية السعودية بتحديث الجيش جلياً في مشتريات أنظمة الأسلحة والمنصات المتقدمة. وخير دليل على الالتزام بتعزيز القدرات الدفاعية هو مبادرات المشتريات الأخيرة للمملكة للاستحصال على منصات عسكرية متطوّرة. فعلى سبيل المثال، استثمر «سلاح الجو المَلَكي السعودي» في المقاتلة «يوروفايتر تايفون» Eurofighter Typhoon، ونظام «صواريخ باتريوت الطرفيّة المتقدّمة ذات القدرة المحسّنة من المستوى الثالث» Patriot Advanced Capability-3 (PAC-3)، وتحديث أسطول مقاتلات F-15SA، وجميعها تُسلّط الضوء على عزم المملكة على تحقيق التفوّق الجوي وتعزيز قدرات الدفاع الصاروخي.
ومن المُلفت أيضاً التركيز الكبير على القدرات الجوية، خصوصاً من ناحية تحديث المنصات الضاربة. فالمملكة العربية السعودية تُخطّط لإدماج مستشعرات ورادارات متقدّمة في مقاتلاتها الحالية من طراز F-15 و Eurofighter Typhoon، واضعةً تصوّراً لتحقيق تعزيزات جوهرية كبيرة في قدرات الدفاع الجوي وسلاح الجو. فمن شأن الطائرات المقاتلة النفّاثة الآنفة الذكر، المجهّزة بإلكترونيات طيران حديثة، وأنظمة رادار متطورة، وأسلحة متعدّدة الاستخدام، أن تُمكِّن المملكة العربية السعودية من الاستجابة بفعالية تصدّياً لطيفٍ من التهديدات، فضلاً عن تنفيذ مهام تُراوح بين التفوّق الجوي وهجمات جو-أرض.
وركّزت المملكة أيضاً على توسيع قدراتها البحريّة، مع الاستحصال على سفن بحرية حديثة لضمان أمن حدودها البحرية. وستخضع بحريّة المملكة العربية السعودية لتحديثات جذرية، لتتحوّل بموجبها من «بحريّة نشطة في المياه الساحلية الإقليمية (المياه البُنّية)» (Brown Water Navy) إلى «بحريّة مُقتدرة في مياه البحار التي تتعدّى المياه الإقليمية (المياه الخضراء)» (Green Water Navy). ويهدف «برنامج التوسُّع البحري السعودي الثاني» (SNEP II) إلى تحديث أسطول البحريّة الشرقي [على الخليج العربي]، الذي يشتمل على فرقيطات (طرّادات)، وسفن قتالية ساحلية، وسفن دورية قبالة الشاطئ لحماية طرق الملاحة الحيوية والموارد البحرية.
ولم تُهمَل القوات البرّية في هذا الدافع القوي للتحديث. فالاستحواذ على دبابات قتال رئيسية، وعربات مدرّعة، وأنظمة مدفعية إنّما يعكس مقاربة شاملة لتعزيز القدرات البرّية. ولا تنبري عملية التحديث هذه فحسب للتحدّيات الأمنية الراهنة، بل إنها تُرسّخ المملكة العربية السعودية كشريكٍ دفاعي إقليمي أساسي.
ساهمت المملكة العربية السعودية، بصفتها رائدة على الصعيد الإقليمي، في جهود مكافحة الإرهاب ومبادرات الأمن الإقليمي. وأدّت الصناعة الدفاعية دوراً أساسياً في دعم تلك العمليات، حيث وفّرت المعدّات والتكنولوجيا الضرورية للتصدّي للتهديدات الناشئة. وإضافة إلى ذلك، يُثبت تعاونُ المملكة العربية السعودية مع دول أخرى في «مجلس التعاون الخليجي» بتمارين عسكرية ومبادرات دفاعية مشتركة المقاربةَ الجماعية للأمن الإقليمي.
تنشدُ «رؤية 2030» في المملكة العربية السعودية، وهي خارطة طريق لتحقيق التَحوُّل، تنويعَ الاقتصاد السعودي والحد من الاعتماد على النفط. وتلعب الصناعة الدفاعية دوراً حاسماً في هذه الرؤية، مع هدف لتوطين الصناعة العسكرية، واستحداث فرص عمل ووظائف تتطلّب مهارات عالية، والإسهام بشكلٍ كبير في «الناتج المحلي الإجمالي» (GDP) للمملكة. وتُمثّل «رؤية 2030» قوة دافعة لتعزيز قدرات الصناعة الدفاعية الوطنية داخل المملكة العربية السعودية. وثمة عناصر أساسية عديدة يتّسم بها دور الدفاع داخل إطار «رؤية 2030» السعودية.
يتمثّل أحد الأهداف الرئيسية في توطين أكثر من %50 من الإنفاق على العتاد العسكري في المملكة، وخفض الاعتماد على المُورِّدين من الخارج. ومن أجل تحقيق هذا الهدف واستحداث مجمّع صناعي دفاعي وطني مستقلّ، تُشجّع المملكة بقوة الشركات المحلية على الانخراط في شراكات، والمساهمة في مشاريع مشتركة، ومبادرات التعاون مع المُصنِّعين العالميين.
تسعى «رؤية 2030» إلى إنشاء قاعدة صناعية دفاعية متكاملة، تُعزِّز نمو شركات الدفاع المحلية. ويشتمل ذلك على تشجيع المشاريع المشتركة، وإرساء الشراكات الاستراتيجية ومبادرات التعاون مع مُصنِّعين دفاعيين على مستوى العالم للاستحصال على تكنولوجيا متقدّمة وتشجيع الإنتاج المحلي.
تُشدِّد «رؤية 2030» على الاستثمار في «الأبحاث والتطوير» (R&D) ضمن القطاع الدفاعي. ويتضمّن ذلك تطوير القدرات التكنولوجية، وتعزيز الابتكار، وتشجيع التطوير المحلي لأنظمة الدفاع من أجل تعزيز المكانة الأمنية للمملكة العربية السعودية.
تعكف المملكة بنشاط على تحديث قدراتها العسكرية وذلك بالاستحصال على أنظمة ومنصات دفاعية متقدّمة. ويشمل هذا التحديث مشتريات طائرات متطوّرة، وأنظمة دفاع صاروخي، وسفن حربية، وغيرها من أحدث التكنولوجيات المتطوّرة من أجل ضمان تمكين قوة دفاعية حديثة وفعّالة.
مع تزايد أهمية «الأمن السيبراني» في العصر الحديث، تُشدّد المملكة العربية السعودية بقوة على تعزيز قدراتها في هذا المجال. ويُشكّل إدماج التكنولوجيات المتقدّمة، بما في ذلك «الذكاء الاصطناعي» (AI) وأنظمة الدفاع السيبراني، مُكوِّناً أساسياً في الرؤية الدفاعية.
وباختصار، تُوجِز «رؤية 2030» السعودية مقاربة شاملة ومتكاملة للدفاع إنما تتخطى القدرات العسكرية التقليدية. وفي إرساء انسجامٍ ما بين الأهداف الدفاعية والمطامح الاقتصادية والاجتماعية الأوسع نطاقاً، تهدف المملكة العربية السعودية إلى تعزيز موقعها كدولة مستقرّة وآمنة في مواجهة تحدّيات إقليمية ناشئة.
على الرغم من تحقيق تَقدُّمٍ كبير، تُواجه الصناعة الدفاعية في المملكة العربية السعودية تحدّياتٍ إنما تتطلّب مُراعاةٍ دقيقة. فالتقادم من الناحية التكنولوجية، وتَطوُّر الديناميات الجيوبولتيكية، والحاجة إلى جهود بحث وتطوير مستدامة إنما هي عوامل تتطلّب اهتماماً خاصاً ومتواصلاً. وإضافة إلى ذلك، من شأن ضمان انتقال سلس من الاعتماد على مورّدين في الخارج إلى إنتاج محلي على نطاق كامل أن يفرض تحدّياتٍ خاصة.
ومع ذلك، تبقى التطلُّعات المستقبلية تفاؤلية. فمع الاستثمارات المتواصلة، وسُبُل التعاون الدولي، والتزامٍ بالابتكار، من المؤكّد أنّ المملكة العربية السعودية ستُعزِّز أكثر فأكثر صناعتها الدفاعية.
أما الاهتمام الخاص الذي تُوليه المملكة بِـ«الذكاء الاصطناعي»، و«الأمن السيبراني»، و«الأنظمة غير الآهلة» إنما يعكس مقاربة استشرافية تتماشى مع الاتجاهات الدفاعية على الصعيد العالمي. وفيما تواصل المملكة العربية السعودية الاستثمار في الأبحاث والتطوير، وتحسين المهارات، وتحديث القوّات المسلّحة، فإنها تُرسّخ حضورها ليس فقط كقوة إقليمية أساسية مُقتدرة بل أيضاً كلاعبٍ عالمي في الصناعة الدفاعية.^