الدفاع ضدّ الهجمات المكثَّفة بالزوارق الصغيرة
اعتمد تكتيك استخدام هجمات مكثفة بزوارق صغيرة ضد سفن كبيرة في العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وشَهِدَ استخداماً واسعاً خلال الحرب العالمية الثانية مع زوارق الطوربيد. وتتمثَّل الفكرة في استخدام السرعة، والمناورة، والمفاجأة لمهاجمة منصات بحرية ومواقع ساحلية حيوية لشلّ الحركة البحرية. وتشكّل مثل هذه الهجمات تكتيكاً أفضل ما يُلائم تنفيذه في الخطوط الساحلية. ففي تلك المناطق يمكن للقوارب الصغيرة أن تتخفَّى حتى تصبح جاهزة لشن الهجوم بما يُخفِّض من الوقت الذي تتطلَّبه سفن العدو للردّ والاستجابة، بحسب الزميلة «نافال فورسيز».
وبدا استخدام عددٍ كبير من الزوارق الصغيرة بمثل هذا الأسلوب يُعرَف بمصطلح «الهجمات المكثَّفة» Swarm Attacks. وبعدما تبنَّت هذه الهجمات كلاً من جمهورية الصين الشعبية، و«الحَرَس الثوري الإيراني»، وغيرهما، غَدتَ مواجهة مثل تلك التكتيكات هاجساً أساسياً لدى البحرية الأميركية وبحريات أخرى. وتعزَّز هذا الخطر عندما تبدَّى في التمارين الحربية الأميركية «تحدِّي الألفية» Millennium Challenge في العام 2002 أنّ هذا التكتيك كان فعّالاً جداً ضدّ الأسطول الأميركي. وبعد ذلك بستة عشر عاماً ولا يزال هذا التهديد ماثلاً.
يتعيّن أنْ تتشارك أنظمة الأسلحة حيّزاً على متن السفن الحربية مع وظائف أخرى حسّاسة ومصيرية لعمل السفينة وطاقمها. وتُركِّز معظم الأسلحة على متن سفن القتال البحري الرئيسية على الاشتباك مع سفنٍ أخرى على أمداءٍ بعيدة والعمل في مياهٍ مفتوحة. أمّا الهجمات المكثَّفة فهي سيناريوهات مختلفة كلّياً. وكما أظهرت دراسة 2000 RAND تحت عنوان «الهجمات المكثّفة في الميدان» من تأليف شين جاي. أيه. إدواردس Sean J. A. Edwards، فإنّ: «الهجمات المكثّفة تُعتمد حيثما لا تكون القوات المُعادية بالحجم أو المقدرة ذاتهما. وفي مثل هذه الأوضاع، تشمل الهجمات المكثّفة استخدام قوة غير مركزية ضدّ الخصم، بطريقةٍ تُشدِّد على الحركية، والاتصالات، واستقلالية الوحدة والتنسيق أو التزامن انسجاماً معها. ويتمثَّل الهدف في الهيمنة فعلياً على أسلحة الخصم وقدرته على الاستجابة. وتُمثِّل الهجمات المكثَّفة أهدافاً صغيرة عديدة، عالية السرعة تقترب بسرعة، من اتّجاهاتٍ مختلفة. ولم تُصنَع صواريخ سطح-سطح مثل «هاربون» Harpoon من «بوينغ» Boeing، والصاروخ Kongsberg RBS-15 السويدي، والصاروخ الروسي «زيركون» Zircon لتنفيذ مثل هذه الاشتباكات.
وممّا يُعقِد الردّ على هجمات الزوارق الصغيرة هو وجود نوعَين مختلفَين من التهديدات، الأول يُوظِّف زوارق بحرية كبيرة مصمَّمة لهذا الغرض مع صواريخ موجَّهة مضادة للسفن. ومثالٌ على ذلك الزوارق فئة Ezzal/Ambassador من صنع شركة «في تي هالتر مارين» VT Halter Marine لصالح البحرية المصرية، تصل سرعتها إلى 41 عقدة (76 كيلومتراً في الساعة) وتحمل ثماني صواريخ Boeing RGM084L Harpoon ذات المدى الذي يصل إلى 120 كيلومتراً إضافة إلى مدفع Super Rapid عيار 76 ملم من صنع Leonardo. وبوسع هذه الزوارق أن تهاجم من أمداءٍ أبعد بكثير وبقوةٍ تدميرية أكبر بكثير. لكنّ اعتماد الزوارق الصغيرة المجهَّزة بصواريخ يُحتِّم عليها اعتماد «أنظمة أسلحة صاروخية مضادة للسفن عن قُرب» CIWS تقليدية لأغراض الدفاع.
أمّا الاستخدام الثاني فهو لزوارق صغيرة سريعة لكنّها مسلَّحة تسليحاً خفيفاً، غالباً ما تستند إلى تصاميم زوارق رفاهية أو سباق. وتكون هذه الزوارق غير مدرَّعة ولا تحمل عموماً سوى مدفعٍ رشّاش ثقيل ومدافع غير ارتدادية، وصواريخ غير موجَّهة أو قذائف صاروخية تُطلَق عن الكتف ذات مدى قصير. ومن بين تلك المنصّات زورقا RL-118 و RL-130 Boghammar واشتقاقاتهما المطوَّرة محلياً التي يستخدمها «حَرَس الثورة الإيراني» في الخليج العربي. وهذا التهديد الذي غالباً ما يُشار إليه بمصطلح «الحرب البحرية اللامتماثلة» هو ذاك الذي لم تُعرِه البحريات الغربية في الماضي اهتماماً وافياً لمواجهته، وهي غفلة أخذت بالتغيُّر الآن.
ثمة حلٌّ مضاد متوافر وحيد لهذه الهجمات المكثَّفة بالزوارق هو المدافع البحرية. فإذا ما أخذنا في عين الاعتبار بأنّ هذه الزوارق المسلَّحة على نحو خفيف يتعيَّن عليها الاقتراب من السفن بحدود مئاتٍ من الأمتار فإنّ المدافع البحرية الرشّاشة ستكون الخيار الفعّال. لكن هناك عاملَين قد أعاقا هذا الحل. أولاً، لقد استُبدِلَت المدافع البحرية إلى حدٍّ كبير بصواريخ على متن العديد من السفن الحربية الغربية لذا فهي محدودة العدد. ثانياً، يتطلّب تسليح هذه الزوارق السريعة الصغيرة تقنيات وذخائر خاصة.
وقد تصدَّت شركة «ليوناردو» Leonardo (سابقاً «أوتو ميلارا» Oto Melara) لهذَين الهاجسَين مع حلولها المتطوِّرة. فمدفعها البحري عيار 76 ملم، الموجود في الخدمة لدى 47 قوة بحرية، بات الآن يشتمل على الصاعق المتعدِّد القابل للبرمجة 4AP Action Plus، الذي يتميَّز بأنماط التفجير الموقت في الهواء والتفجير التقاربي من بينها نمطٌ مفعَّل على نحو أمثل لأهداف السطح. ويتضمّن النظام وظيفة «معالِج الإشارة الرقمية» DSP الذي يتغلَّب على تشويش سطح البحر، بما يُضاعِف إلى حدٍّ كبير من فعاليته ويُخفِّض من قدرة الزوارق الصغيرة على «التواري» في البحار الهائجة. ويبلغ معدّل رمي المدفع 85 طلقة في الدقيقة بطرازه المتراص، و 120 طلقة في الدقيقة بطراز «سوبر رابيدو» Super Rapido. وتعني سعة مخزن الذخيرة بنحو 80 طلقة أنّه في خلال الهجوم على نطاقٍ كبير كلّ طلقة يجب أن تكون حاسمة وستوفِّر الذخائر الموجَّهة على غرار «الذخيرة المدفوعة المنخفضة فترة التحليق» DART من صنع الشركة وذخيرة «فولكانو» VOLCANO، التي لا تزال قيد التطوير، أمداءَ اشتباكٍ ممدَّدة ودقّة طرفية لمستشعر بالأشعة تحت الحمراء أو آخر ليزري نصف نشط.
وثمة مدفعٌ بحري آخر مُمَيْدَن على نحو واسع هوBofors Mark3/M110 عيار 57 ملم من شركة «ب أيه إي سيستمز» BAE Systems. ومن شأن نظام صاعقه المتعدِّد الخيارات القابلة للبرمجة MK 295 Mod 0 بنمط التفجير التقاربي الموقت أنْ يُولِّد تطايُراً لـِ 8000 شظية تنغستن tungsten معدّة ضدّ زوارق سريعة ذوات البدن الرقيق، أو يُحدِث تفجيراً ارتطامياً ضدّ الزوارق الأكبر حجماً. ويسمح معدَّل الرمي 220 طلقة في الدقيقة بتفجيرٍ قريب المدى للطلقات ما يُفعِّل قدرة الاشتباك مع الهدف بفضل مخزن ذخيرة المدفع سعة 120 طلقة.
كما طوَّرت شركة BAE Systems المقذوف الموجَّه ORKA Mk295 Mod 1 عيار 57 ملم. وأوضح ناطق باسم وحدة أعمال «المنصّات والخدمة» Platforms and Service لدى الشركة أنّ «ذخيرة ORKA (للقتال السريع للزورق المهاجم) تُضيف قدرة توجيه إلى المقذوفات العالية الفتك الموجودة فعلياً». ويمكن للتوجيه الطرفي أن يكون إمّا تعييناً ليزرياً أو توجيهاً باستخدام صورة الهدف المخزَّنة في ذاكرة الرأس الباحث. وإضافةً إلى ذلك، يمكن برمجةORKA للتعرُّف على هدفٍ محدَّد أو نوع الهدف والإطباق عليه. ويمكن ضبط الرأس الحربي لتفجير ارتطامي أو تقاربي أو موقت.
وثمة مقذوف عيار 57 ملم منافِس هو «الذخيرة المتقدِّمة المنخفضة الكلفة» ALaMO من شركة «أل-3» L-3 الذي تمّ اختياره من قِبَل «البحرية الأميركية» في العام 2017 ليكون المقذوف MK 332 Mod 0 الشديد الانفجار الموجَّه بالتردُّدات الراديوية Bolt Guided (HE-4G). وهذا المقذوف الموجَّه المنخفض الكلفة، بعد استكماله مرحلة «المراجعة الحسّاسة للتصميم» في كانون الثاني/يناير العام 2018، يسمح باشتباكٍ أكثر فعالية مع أهدافٍ متحرّكة. كما أنّه يتطلّب عدداً أقل من الطلقات لكلّ هدف.
وهناك مدفعٌ بحري آخر قادر على الاشتباك مع زوارق صغيرة تشنُّ هجوماً مكثّفاً هو المدفع البحري USN Mk-46 الخاص بالبحرية الأميركية، وهو يدمج معاً Mk 44 Mod 2 عيار 30 ملم من شركة «آلاينت تيك سيستمز Alliant Tech Systems (ATK) (هي الآن جزء من شركة «نورثروب غرومان» Northrop Grumman)، وكاميرات حرارية وأخرى للرؤية بالضوء الخافت، وقائس مسافات ليزرياً مبيّت في منصةٍ مستقرّة مُغلقة. وهو مع ذخيرة عالية الكاليبر قادرٌ على الاشتباك مع زوارق مناوِرة سريعة على مسافة 4,400 متر بدقّة عالية. أمّا معدّل الرمي فهو 200 طلقة في الدقيقة ومخازن سعة 400 طلقة تسمح بالاشتباك والتصدِّي لعددٍ من الأهداف بالتتالي.
إنّ المدافع البحرية عيار 5 بوصات التي نجدها على متن العديد من السفن الحربية الرئيسية هي مؤتمتة بالكامل، ومستقرّة، ومدمجة مع نظام القتال في السفينة. وعقب الهجوم في تشرين الأول/أكتوبر العام 2000 على سفينة البحرية الأميركية USS Cole بزورقٍ صغير، والبحرية الأميركية تسعى إلى حلول تصدٍّ سريع لهذا التهديد. ومن بينها تطوير مقذوفٍ لمدافع عيار 5 بوصات أفضل ما تُلائم هذه الزوارق الصغيرة السريعة. وكانت النتيجة طلقة الطاقة الحركية الموقتة إلكترونياً Mark 182 KE-ET . وهي تُعرف أيضاً بتسمية BB أو Shotgun عيار 5 بوصات، وهي تفيد من مكوِّنات لذخائر أخرى في الخدمة لتأمين مقذوفٍ يتفجَّر إلى 9000 شظية تنغستن في اتّجاه الزورق المهاجِم. والسرعة العالية وكثافة مخروط الشظايا المنطلقة سيجعلانه يخترق الزورق ليُعطِّل المحرِّك، وأجهزة التحكُّم، والأسلحة على المتن ويصيب حتى الطاقم. ويمكن من خلال ربطه بنظام إدارة الرمي في السفينة أن يشتبك مع أهدافٍ تقع ضمن المدى الفعّال الأقصى للمدفع.
يشتمل العديد من السفن الحربية الطليعية على «أنظمة للدفاع عن قُرب» CIWS للدفاع ضدّ الصواريخ المضادة للسفن. ومن شأن تبنِّي هذه الأسلحة أيضاً للتصدّي لزوارق السطح السريعة أنْ تستفيد من أي نظام سلاح حالي. وهو ما استكمله تحديث نظامBlock 1BPhalanx عيار 20 ملم من «رايثيون» Raytheon. وأكّد باري إدواردسBarry Edwards الناطق باسم Raytheon أنّ نظام Block 1B يضيف أبراج تحكُّم ومستشعراً للرؤية الأمامية بالأشعة تحت الحمراء ما يسمح للمُشغِّلين بتعقُّب الأهداف على نحو مرئي وتحديد هويّتها تعزيزاً لقدرة الحرب المضادة للجوّيات المجرَّبة لدى نظام «فالانكس» Phalanx وذلك بتمكين استخدامه ضدّ الطوّافات وزوارق السطح العالية السرعة.
وصُمِّم نظام المدفع البحري للدفاع الجوّي Air Defence Oerlikon Millennium من Rheinmetall عيار 35 ملم للتصدِّي لأهداف السطح والجو معاً. وأوضح مدير مبيعات الأنظمة البحرية كرايغ ماكلوغلين Craig McLoughlin أنّ «السلاح يستخدم ذخيرة فريدة متفجِّرة جوّاً تُدعَى Ahead (إصابة ذات فعالية وتدمير متقدِّمَين) تُعظِّم من احتمال تحقيق الإصابة عبر إطلاق مخروطٍ قاتلٍ من شظايا التنغستن في وجه التهديد الداهم». ويستخدم المدفع مقياساً معقَّداً لسرعة الطلقة عند الفوهة ومُضبِطاً للصاعق يُبرِمج إلكترونياً كلّ طلقة لكي تنفجر على مسافة مُثلى لتعظيم فعالية إصابة الهدف. وإضافة إلى ذلك، يمكن لهذا المدفع أنْ يرمي «ذخيرة حارقة شديدة الانفجار» HEI وأخرى «خارِقة للدروع» APDS-T. ووفقاً لشركة Rheinmetall فإنّ هذا السلاح سيكون خاضعاً لتحكُّم نظام إدارة الرمي في السفينة على غرار نظام الرادار/ البصري الإلكتروني CEROS 2000 من «ساب» Saab الذي تستخدمه البحرية الدانماركية. ويسمح نظام المدفع البحري Millennium بالتصدي لهجوم الزوارق الصغيرة وصواريخ السطح المضادة للسفن على حدٍّ سواء. وهذه القدرة المزدوجة هي ميزة خاصة للسفن ذات الحيّز المحدود لمتنها.
تكمن نقاط الضعف في زوارق هجوم السطح بشكلٍ خاص في أي هجومٍ تشنّه منصات جوّية. فبوسع المقاتلة أنْ تضرب من أي اتّجاه وتتحرَّك سريعاً لاشتباكٍ أكثر فعالية. ويمكن نقل طوّافات مسلّحة أيضاً على متن معظم السفن وبالتالي تكون ذات جهوزيةٍ متوافرة. ولم تكن معظم الطوّافات البحرية في الماضي مجهَّزة بأسلحة تُلائم الاشتباك مع مجموعة كبيرة من الزوارق الصغيرة. وبإمكان الصواريخ المضادة للسفن تدمير هذه الزوارق لكن لا يمكن للسفينة أن تحمل سوى عددٍ محدودٍ منها في حين أنّ الوقت المطلوب لتنفيذ كلّ اشتباك يُقلِّل من فعالية هذه الاستجابة. في المقابل، تُوفِّر حواضن «صواريخ الطوّافات ذات الزعانف القابلة للطي» FFAR عيار 70 ملم/2.75 بوصة بتحليقها الحرّ حلاً بسيطاً وفعّالاً نسبياً. ويمكن أنْ تُجهَّز بها أية طوّافة تقريباً، لكنّها غير دقيقة نسبياً وبالتالي يتطلّب الأمر رمي عددٍ من مثل تلك الصواريخ لضمان تحقيق الإصابة. واعتماد شركة BAE Systems «نظام السلاح القاتل ذا الدقّة المتقدِّمة» APKWS يمنح الصاروخ عيار 2.75 بوصة قدرة تدمير دقيقة. فهو يدمج رأساً باحثاً ليزرياً وجُنيحات تحكُّم في الصاروخ الفعلي المجرَّب قتالياً.
وأوضح مارك كاسيرس مدير «حلول التوجيه الدقي والاستشعار» لدى وحدة BAE Electronic Systems، في هذا الخصوص أنّه: «بالإمكان تبييت نظام APKWS ضمن حواضن صواريخ مُمَيدَنة وهو يُوجِّه الصاروخ نحو الهدف بدقّة تقل عن مترَين. ويقوم جهاز ليزري على متن طوّافة الإطلاق أو على موقعٍ منفصل بتعيين الهدف. ويقوم نظام APKWS بالإطباق على الهدف باحتمالية إصابة/ تدمير تصل إلى %93 على مداه الأقصى البالغ 6 كيلومترات». وقامت البحرية الأميركية، إدراكاً منها بهذه القدرات، بطلب أكثر من 17,000 وحدة منذ العام 2016.
صرَّح الدكتور توماس بيوتنير، رئيس «المكتب الأميركي للأبحاث البحرية» ONR في «دائرة الحرب الجوّية والأسلحة»، في بيانٍ له حيث قال: «تشكل المدافع المستَخدِمَة للقوة الكهرومغناطيسية لإطلاق مقذوفات بقوة حركيّة عالية السرعة Railgun وأسلحة الطاقة الموجَّهة الأخرى، مستقبل التفوُّق البحري». وتشمل تلك الأسلحة طاقة ليزرية شهيرة وأنظمة أسلحة المايكرووايف عالية الطاقة والأقل شهرةً.
وهذه الأنظمة الأخيرة تُطلِق طاقةً مايكرووايفية عالية نحو الهدف. وبإمكان هذه الموجات أن تُشوِّش عليه، بل وتُدمِّر، إلكترونيات حسّاسة موجودة في محرِّكات القارب، وأجهزة التحكُّم وأنظمة الملاحة فيه. ومن شأن تعطيل هذه الإلكترونيات أن يُوقِف عمل هذه الأنظمة فعلياً، بما يجعل القارب غير عملاني. وأكّد ناطق باسم شركة BAE Systems أنّها قد أجرت تجارب على هذه التكنولوجيا واقترحت تزويدها كأسلحةٍ للبحرية الأميركية.
وواصَل بيوتنير: «في الواقع، يمكن لأسلحة المايكرووايف أن تكون فعّالة على نحو مساوٍ ضدّ مجموعة واسعة من التهديدات بما في ذلك زوارق وعربات جوّية صغيرة، وطائرات، وربّما حتى صواريخ داهِمة». وثمة ميزة إضافية في سلاح المايكرووايف تتمثَّل في شُعاعٍ عالي التركيز بدلاً من «مقذوفٍ مادي» يمكنه أن يُحدِث أضراراً جانبية غير مقصودة في ما يتعدَّى الهدف. كما أنّ الشُّعاع المذكور يستهدف «الآلة» لا البشر، ما يتيح استخدامه الحر في ظروفٍ حيث يكون من المحظور اعتماد قوة «فتّاكة».
وأشارت شركة BAE Systems أيضاً إلى أنّ سلاح المايكرووايف، الذي دمجته مع بُرج مدفع Mark 38، يمكنه أن يتصدَّى لعددٍ من الأهداف في آنٍ بدلاً من هدفٍ واحد على حِدة. كما أنّه يملك «ذخيرة» غير محدودة - فطالما يملك الطاقة بإمكانه الاشتباك مع الأهداف.
إنّ تحرُّكات الزوارق السريعة الصغيرة حتى تاريخه لم تكن سوى بأعدادٍ صغيرة نسبياً ضدّ سفن تجارية أو حربية باستخدام قواعد اشتباك محدودة في استجابتها. لكن إلى أي مدى يمكن لهذه الهجمات أن تُحقِّق نجاحاً ضدّ قوة بحرية غير مقيَّدة الحركة هو سؤالٌ مفتوح. وبما أنّ هذا التهديد بات مُدرَكاً هذه الأيام إنّما يحرمه كثيراً من عنصر المفاجأة. وإضافةً إلى ذلك، يبقى سؤالٌ ما إذا كان حَشْد مثل هذا العدد الكبير من الزوارق يمكن تحقيقه من دون رصد. فما أن يتم التثبُّت من هذا الحشد حتى تُهاجَم نقاط تجمُّعها استباقاً لشن هجومها وتدمير تلك الزوارق قبل أن تنطلق في البحر نحو أهدافها.
وأخيراً، ثمة أسلحة تُمَيْدَن حالياً يمكنها أن تتصدَّى لمثل هذه الهجمات، أقلّه تلك التي تشنُّها زوارق آهلة. وهذه النقطة بالذات هي في غاية الأهمية إذ إنّ احتمال وقوع هجمات مكثَّفة باستخدام عربات سطح غير آهلة ذاتية الحركة، وربّما عربات جوّية صغيرة أشدّ خطورةً، قد ارتفع الآن. ويبقى السؤال للمدافعين البحريين، إلى أي حدٍّ يمكن لأنظمة السطح والأخرى المضادة للصواريخ المُمَيْدَنة حالياً أن تُجاري هذه التحدّيات الجديدة للهجمات المكثّفة، بمختلف أدواتها، المتوقَّعة منها وغير المتوقَّعة؟