مستقبل البحرية الروسية في المياه الزرقاء
القوى العظمى تحتاجُ إلى بحرياتٍ عظمى - ذلك هو المفهوم الذي روّجه الأدميرال الشهير في البحرية السوفياتية خلال «الحرب الباردة» سيرغي غورشكوف Sergey Gorshkov، وقد أعادَ تفكيره الاستراتيجي الانبثاق كأساسٍ رؤيوي للقوة البحرية الروسية. ويسعى القادة الروس إلى تحقيق الازدهار والأمن والنفوذ من خلال مؤسّسة بحرية تجارية، وبحرية ذات مرامي وصول عالمية. وتضمن أحدث وثائق الأمن القومي الروسيةُ وضع روسيا كقوة عظمى وتتوقّع أن تُنافِس «بحرية الاتحاد الروسي» RFN البحريةَ الأميركية حول العالم. ومع ذلك، انهارَ الاتحاد السوفياتي فيما كان يسعى إلى تحقيق استراتيجيات تفتقد إلى الاستدامة. فواقع القطاع البحري الروسي المُفتَقِر إلى التطوير الكافي يجعل من هذا الكلام الكبير غير واقعي. فالتّوق إلى قوة بحرية من الدرجة الأولى هو في ما يتعدّى الإمكانيات البحرية والطاقة الصناعية لدى روسيا، وطموحات روسيا في محيطات العالم هو ما يتخطَّى مرامي وصولها [حيث لا تزال صناعة بناء السفن الروسية تُعاني مشكلات، بحسب الكاتب ديمتري غورينبورغ Dmitry Gorenburg.
ويواجه الروس معضلة جدّية في تقرير الاتّجاه المستقبلي لبحرية الاتحاد الروسي، التي تخضع لتحديثٍ هي بأَمسّ الحاجة إليه. وثمة خيارٌ يضع تصوُّراً بتحقيق الطموحات السياسية عبر «بحرية استطلاعية لأعماق المحيطات أو المياه الزرقاء»، في حين يُشدِّد خيارٌ آخر على «قوة دفاعية في المياه البنية» [أي القريبة من الساحل] بالحجم والعمق. أمّا الخيار الأكثر حصافةً بالنسبة إلى روسيا فيتمثَّل في تطوير قوة «منع الدخول/المنطقة المحرّمة» A2/AD مُقتدرِة لتعزيز قوة غوّاصاتها المتقدّمة. فروسيا قادرة على أن تكون قوة بحرية إقليمية في مسارح محلية تختارها. لكنّ الجهود على نطاقٍ كبير لتطوير بحرية استطلاعية مُكلِفة مع حاملات طائرات وسفن حربية برمائية إنّما سيُقلِّص من قوات الدفاع الوطني المنتشرة على نطاقٍ جغرافي كبير في روسيا. لذا، فإنّ التهديد الأكبر في استحداث بحرية روسية مُقتدرِة ومستدامة قادرة على إرساء توازنٍ استراتيجي يتمثَّل في سياسة وهمية يدفعها الاعتزاز القومي والأهداف العالية التي تتخطَّى الواقع!.
تتعامل روسيا مع الغرب بثقة متجدّدة ومواقف لا مساومة فيها، فيما يثير الغربُ هواجس إزاء عودة «الحرب الباردة». ويعتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والدائرة المحيطة به - توافقاً مع الواقعية السياسية التقليدية - أنّ روسيا وقوى أخرى ينبغي أن تتحدّى الولايات المتحدة لاستعادة توازن القوى في النظام الدولي ومنعها من التدخُّل في شؤونها الداخلية أو مصالحها الأمنية الحسّاسة. وسعي بوتين إلى الشراكة الاستراتيجية مع الصين، والهند، وحتى إيران إنّما يهدفُ إلى تعزيز النفوذ والأمن المشترك مع تلك الدول، فضلاً عن تطوير العلاقات التجارية. ونتيجةً لذلك، تُشكِّل الدبلوماسية العسكرية البحرية، والتمارين بين أساطيل تلك الدول، والتعاون التكنولوجي العسكري مع هؤلاء الشركاء عناصرَ مهمة في الاستراتيجية الروسية. وتستنتج القيادة الروسية أنّ موسكو تحتاج إلى بحرية في المياه الزرقاء لإظهار القوة وبناء الشراكة. ويُلاقي تحديث القوات المسلّحة الروسية حالياً تكاليف كبيرة على الاقتصاد الذي يعاني من مشكلاتٍ منذ الركود في العام 2013. وستجد روسيا من الصعب عليها تحمُّل الإنفاق الدفاعي الحالي لتلبية خططها - حتى ولو كانت الحكومة تجعل الأمن أولويّتها لا النمو الاقتصادي!.
إنّ التكافُل ما بين التجارة البحرية والقوة البحرية، الذي يُعرِّفه جيفري تيل Geoffrey Till بتسمية «الدائرة البحرية الفُضلى»، لم يكن أبداً من مزايا السياسة الروسية. فهذه الأُمّة العظيمة قد حظيت بالحصول على موارد من أراضيها - من دون الاعتماد على التجارة العالمية والاستعمار، وهما ما اتّسمَت به تاريخياً الدول البحرية. فمصالح روسيا الاستراتيجية هي أولاً وآخراً قارّية، ضمن حدودها، ولطالما ركّزت القوة العسكرية الروسية تقليدياً على المنافسة ندّاً بندّ مع القوى البرّية الأخرى. ولا مجالَ للادّعاء بالعَظَمة البحرية تاريخياً، حيث إنّ روسيا لم تكن قوة بحرية ذات شأن إلاّ لمرحلةٍ محدّدة. بدايةً في القرن الثامن عشر، حقّقت روسيا التفوُّق في بحر البلطيق ومن ثمّ في البحر الأسود، ما سمحَ لها بالوصول إلى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي. وحتى في تلك الحقبة، بقيت روسيا في الواقع قوة بحرية ساحلية ولم تُنافِس إنكلترا وفرنسا وهولندا في محيطات العالم. أمّا الفترة الأخرى للقوة البحرية الروسية أو السوفياتية فقد كانت في ذروة النزاع العالمي في «الحرب الباردة» تحت قيادة الأدميرال غورشكوف.
والمجال البحري إنّما هو واعدٌ اقتصادياً بالنسبة إلى روسيا، لكنّ هذا الأُفق الواعِد لا يمكن تحقيقه بسهولة. فروسيا تملكُ موارد شاسعة في المحيط وقاع البحر، وربّما تتوقُ إلى أنْ تصبح شريكاً في الصناعة البحرية لعددٍ من الدول الآسيوية. لكن بدايةً وجبَ على روسيا النجاح في تطوير قدرات صناعية تنافسية ومهارةٍ بحرية لتخفيض اعتمادها على الدراية والتكنولوجيا الأجنبيّتَين. فلا بُدّ للنشاط المتزايد في المحيط المتجمّد الشمالي أن يتمكّن من تطوير البُنى التحتية للمرافئ، وتعزيز الإمكانيات المِلاحيّة، والقدرة على كَسْح الجليد، وتطوير مجمّعاتٍ صناعية بحرية في المناطق الساحلية الروسية. إنّ روسيا هي المُنتِج الأكبر للطاقة في العالم، لكن ينبغي أن تبدأ باستخراج احتياطاتها الهائلة قُبالة الشواطئ لتعزيز صناعة النفط والغاز المتضائلة في هذه الأماكن. وحتى حينه، كانت النشاطات قُبالة شواطئ القطب الشمالي اختبارية وغير مُجزية من ناحية الكلفة. فالعقوبات والأسعار المنخفضة قد أحدثت ضرراً بقطاع الطاقة. وبات الخط الساحلي للقطب الشمالي تدريجياً متاحاً للوصول، مع آفاق استقطاب حركة السفن الدولية إلى المرافئ الروسية. بيدَ أنّ الحركة البحرية في الممرات المائية لـ «المحيط المتجمّد الشمالي» لا تزال غير نشطة، حيث إنّ الأحوال المناخية القاسية تتطلّب سفناً من الفئة القطبية وسفناً كاسحة للجليد باهظة الثمن.
توفّر النسخة الأحدث من العقيدة البحرية لـِ «الاتحاد الروسي» خطوطاً إرشادية حكومية شديدة الطموح لتطوير القوة البحرية واستغلالها على مدى العقود التالية. والعنصر الأساسي في هذه العقيدة منذ تموز/يوليو العام 2015 هو الادّعاء بوجود تقليدٍ عظيم للقوة البحرية الروسية ووجوب العودة إلى مثل هذه العَظَمة. وتُغطّي العقيدة الشاملة جميع نواحي النشاطات البحرية التي تتحكّم بها الحكومة، حتى ولو كان الأمن والنواحي البحرية هي المهيمنة. وتتصوّر روسيا تحقيق «إمكانياتها البحرية» ونشاطاتها التجارية في محيطات العالم، فيما تتصوّر القوة البحرية العالمية كمبادئ رئيسية لتعزيز اقتصاد روسيا وقوتها العسكرية ونفوذها في العالم.
وتُشدِّد العقيدة العسكرية الروسية على أهمية الردع النووي، فيما تُشكِّل الغواصات الاستراتيجية للأسطول الشمالي وأسطول المحيط الهادئ قدرة حاسمة من الثالوث النووي الروسي (مع القوة النووية الجوية والبرية). ويُشكِّل تجديد أسطول «غوّاصات الصواريخ البالستية العاملة بالطاقة النووية» SSBN أولى أولويات برنامج التسلُّح الروسي في حين أنّ حمايتها هي المهمة الرئيسية لـ «القيادة العسكرية للمنطقة القطبية الشمالية» و«الأسطول الشمالي». وإلى بناء الغوّاصات، تشمل الجهود المتواصلة إضافة فرقيطات وفرقاطات إلى الأساطيل الروسية الإقليمية. لكنّ النقاش الأكثر طموحاً هو آفاق تطوير حاملات طائرات جديدة، وسفن حربية برمائية متطوّرة ومدمرات رئيسية كبيرة - وهي خطوة كبيرة تتخطّى القدرات الراهنة. وهذه الرؤية التي تستشرف 30-40 عاماً مقبلاً، قد وُضِعَت بالتفصيل الدقيق من قِبَل قادة بحرية «الاتّحاد الروسي».
وتُحدِّد «العقيدة البحرية» أيضاً الأولويات الإقليمية. ففي الإجمال، تُعتبر هذه العقيدة مفصَّلة وواقعية عندما تتعامل مع الإجراءات الدفاعية في «منطقة المحيط الأطلسي». لكنّها تكون أقل موضوعية حينما تتعامل مع «منطقة المحيط الهادئ» ومحيطات أو بحار العالم التي تشمل «منطقة المحيط الأطلسي» و«بحر البلطيق» و«البحر الأبيض المتوسط» و«البحر الأسود»، فضلاً عن المحيط المفتوح. وهناك حيث ترى روسيا حلف شمال الأطلسي «الناتو» NATO كتهديدٍ وهي تُطوِّر قدرات»منع الدخول/ المنطقة المحرّمة» A2/AD في المناطق الساحلية. أمّا «منطقة المحيط الهادئ» فيتم وصفها كمركز ثقل دولي يزداد أهمية، بيدَ أنّ البُنية التحتية الروسية المُفتقِدة للتطوير والسكّان الموزَّعين على رقعة كبيرة لا يتماثلان مع الدول ذات الكثافة السكّانية الأكبر في المنطقة. فيتعيّن على روسيا أن تُجاهِد لإرساء علاقات صداقة مع الشركاء الإقليميين، ويُناطُ بـ «أسطول المحيط الهادئ» لديها مهمة تحفيز التعاون المتعدّد الأطراف في الأمن البحري.
يُلبّي «البرنامج الحكومي العشري للتسلُّح 2010-2020» الروسي الطموح الحاجة إلى إعادة تجديد القوات التقليدية للحقبة السوفياتية وذلك بتطوير جيشٍ حديث ومُحترِف لتلبية المتطلّبات المستقبلية. وتُمثِّل مضاعفة روسيا لاستثمارها العسكري اتّجاهاً مهمّاً ومتنامياً مقارنةً بإنفاق الحلف الأطلسي. فبين عامَي 2009 و 2014، ازدادت الميزانية العسكرية الروسية بنسبة 67 بالمئة وقد كانت أكبر بكثير من ميزانية أية دولة أوروبية غربية. فقد حافظ الإنفاق الدفاعي الروسي على مستواه (4.5 بالمئة من «إجمالي الناتج المحلي» في العام 2014) على الرغم من الانكماش الأخير في الاقتصاد الروسي. ومع ذلك فإنّ مهمة تجديد البحرية الروسية هي عملٌ هائل، حيث يُتوقّع أن يحصل الأسطول الروسي على أكثر من 100 سفينة جديدة قبل العام 2020، بما في ذلك 24 غوّاصة و 54 سفينة سطح حربية. وتُعطى استثمارات بحريّة «الاتحاد الروسي» أولويةٌ عليا لأنّ البحرية تتألّف حالياً بمعظمها من سفنٍ تعود إلى «الحرب الباردة» تُشارِف على انتهاء دورة حياة خدمتها. وتجديد قوة الردع الاستراتيجية النووية وتطوير قوة دفاع ساحلي أكثر حداثةً واقتداراً إنّما يُشكِّلان البرنامجَين الأكثر أولوية وإلحاحاً لدى البحرية.
وتُناقَش المشاريع الجديدة الأكبر والأكثر تعقيداً على المدى البعيد جداً (2021-2050). وقد تتطلّب ارادة سياسية وقدرة صناعية أكثر عزماً وتمكُّناً. وتُمثِّل تلك على سبيل المثال حاملات طائرات جديدة، وغوّاصات من الجيل الخامس، ومدمِّرات جديدة، ومقاتلات نفّاثة من الجيل الخامس. ومع ذلك، ثمة جدلٌ يحيط بشراء سفنٍ رئيسية كبيرة يتعلّق بطاقة أحواض بناء السفن، والتمويل والكوادر المتخصِّصة، وكذلك الدور المستقبلي لبحرية «الاتحاد الروسي». فيبدو واضحاً أنّ البحرية الروسية فيما تُركِّز على الردع الاستراتيجي ومهام الدفاع الساحلي على المديَين القصير والمتوسط، فإنّها لا تزال تملك طموحات لاستعادة بحريّتها المقتدرة نفوذها في أعماق المحيطات على المدى الطويل. لكن بناء عددٍ ولو قليل من حاملات الطائرات والسفن الحربية البرمائية، والمدمِّرات قد يُثبِت أنّه مهمة مُرهِقة تُلقَى على عاتق أحواض بناء السفن الروسية وميزانيات الاتحاد الروسي. إنّ حاملات الطائرات الروسية السابقة قد بُنِيَت في أواكرانيا، وستحتاج أحواض بناء السفن الروسية إلى إجراء تحديثات لاستيعاب سفنٍ رئيسية كبيرة مستقبلية والدعم المطلوب لها.
وعلاوة على ذلك، تتطلّب أية مجموعة ضاربة لحاملات طائرات موارد إضافية كبيرة للحماية والدعم من أجل أن تكون منصّات قتالية فعّالة، لا مجرّد أداة سياسية رمزية. وتحتاج البحرية الروسية، كما المجموعة البحرية لحاملة الطائرات في الولايات المتحدة الأميركية، لسفن مرافقة وأخرى للدعم اللوجستي ما يتطلّب استثماراً هائلاً. وفيما تنتظر البحرية الروسية قرارات استراتيجية حول بناء سفن رئيسية كبيرة مستقبلية، فإنّها تُناضِل للحفاظ على حاملة الطائرات الوحيدة لديها، أي RFNS Kuznetsov، في حالة عملانية جيدة وتُطيل فترة خدمة المدمِّرتَين القتاليتَين من فئة «كيروف» Kirov.
ينبغي أن تُصمَّم القوة البحرية وتُبنَى من أجل تحقيق هدفٍ استراتيجي، بالتناسب مع أهداف فاعلة أخرى. إنّ البحرية الروسية هي قوة بحرية «إقليمية» مُقتدِرة مع قدرة «منع الدخول/ المنطقة المحرّمة» A2/AD فعّالة ضدّ أي قوة مُعادِية في «الدائرة القطبية الشمالية»، و«بحر البلطيق»، وشرق «البحر الأبيض المتوسط»، و«البحر الأسود».
إنّ المستويات ذاتها من الطموح ليست ماثلة في المحيط الهادئ، حيث إن القوة البحرية الروسية هناك هي نسبياً في حالة تراجع - خصوصاً بالنسبة إلى الصين والولايات المتحدة. إنّ روسيا مجهَّزة تجهيزاً جيداً لخوض مواجهة ندّية مع «الحلف الأطلسي» في مياهها الساحلية، لكنّها تُشكِّل في المدى القريب تحدّياً للهيمنة العالمية الأميركية على البحار. ومن المرجّح أن تعطي روسيا أولويّةً لبعض مشاريع السفن الرئيسية الكبيرة، التي لعلّها ستكون منصّات رمزية فخرية أكثر من كونها تُمثِّل قوة بحرية متمكِّنة لإسقاط القوى والحملات البحرية. وإذا ما ذهبت الطموحات السياسية إلى مدى بعيد، فإنّ الاستثمارات الهائلة الهادفة إلى استحداث بحرية مُقتدرِة في المياه الزرقاء قد تُرهِق جداً الميزانيات وينتج عنها أسطولاً بحرياً مصيره التراجع مجدّداً.^