زوارق السطح غير الآهلة: تحسّن القوة القتالية
شهدت السنوات الأخيرة تقدماً ملحوظاً في تطوير سفن السطح المستقلة وشبه المستقلة.
حتى الآن، استخدمت زوارق السطح غير الآهلة (USVs) مسلحة وغير مسلحة بحجم قوارب RHIB لحماية القوات، والبنية التحتية الأمنية، ومهام الدوريات العامة، إضافة إلى دورها في الإجراءات المضادة للألغام. ويتجه التركيز الآن نحو عرض زوارق سطح غير آهلة أكبر حجماً، يمكن دمجها بالكامل في القوة القتالية لتحسين القدرات القتالية للأسطول بصورة رئيسية.
على المسرح العالمي، تتصدر البحرية الأميركية هذا التطور. فهي مهتمة بشراء سفن السطح الكبيرة غير الآهلة (LUSV) وسفن السطح المتوسطة غير الآهلة (MUSV)؛ إضافة إلى ذلك، تخطط البحرية الأميركية لميدنة عربات تحتمائية غير آهلة فائقة الحجم (XLUUVs). ووفقاً لحسابات البحرية الأميركية، سيراوح طول سفن السطح الكبيرة غير الآهلة بين 60 و90 متراً تقريباً، وإزاحتها بين 1000 و2000 طن، ويعادل حجمها حجم الفرقيطات. أما سفن السطح المتوسطة غير الآهلة، فسيراوح طولها بين 14 و60 متراً تقريباً، وإزاحتها حتى 500 طن، وهو ما يقارب حجم زوارق الدوريات.
إن دمج الأنظمة الرئيسية غير الآهلة عبر الأسطول يعتبر عنصراً حيوياً في هيكل القوة المستقبلية. في تموز/ يوليو 2022، قدم الأدميرال مايك جيلداي، رئيس العمليات البحرية (CNO)، خطته الملاحية الأحدث NAVPLAN. توفر هذه الوثائق نظرة ثاقبة على بنية قوة البحرية الأميركية وقدراتها في التخطيط. لطالما ناقش رئيس العمليات البحرية، لمدة طويلة، أن الأسطول الحالي صغير جداً لتلبية الالتزامات وتنفيذ استراتيجية القتال. تنص خطة الملاحة NAVPLAN 2022 على هدف زيادة قوة المعركة للبحرية الأميركية من نحو 300 وحدة اليوم إلى 523 وحدة بحلول السنة المالية 2045. سيتم تحقيق ذلك إلى حد كبير من خلال إدخال 150 زورق سطح كبير تحتمائي غير آهل إلى ميدان القتال على مدى العقدين المقبلين. الرقم المذكور يقارب إلى حد كبير وثيقة إدارة بايدن الصادرة في تموز/ يونيو 2021، والتي اقترحت قوة مستقبلية تضم حتى 89 زورق غير آهل صغير ومتوسط، إضافة إلى 51 زورق تحتمائي كبير غير آهل. وبالمثل، تُقدم مقترحات البحرية حول خطة بناء السفن الممتدة لثلاثين عاماً، والصادرة في نيسان/ أبريل 2022، سيناريوهات شراء بديلة تراوح بين 27 و153 من زوارق LUSV و MUSV بحلول السنة المالية 2052.
في 13 أيار/ مايو 2022، أنشأ أسطول المحيط الهادئ الأميركي القسم الأول لسفن السطح غير الآهلة (USVDIV One) في سان دييغو. سيقوم هذا القسم بإدارة اختبار زوارق LUSV وMUSV التابعة للبحرية الأميركية، وستخدم كجسر بين برنامج UV التابع لقيادة الأنظمة البحرية (NAVSEA)، وقادة الأسطول الذين سيختبرون الزوارق ويقدمون المراجعات والنقد. وقد ورث USVDIV One نتائج خمس سنوات من الاختبارات والتقييم المكثف لهياكل السفن البحرية وعروض لتكنولوجيا LUSV MUSV، وأنظمة القيادة والسيطرة، وأنظمة التحكم الذاتي، ودمج الحمولة، نفذتها مكاتب أبحاث مختلفة في البحرية الأميركية ووزارة الدفاع حتى العام 2021. يمتلك السرب حالياً زورقي سطح غير آهلين (LUSV) وزورقي سطح (MUSV)، ومن المتوقع أن يحصل على ثلاث وحدات إضافية.
ينصب التركيز الرئيسي للوحدة على دمج أجهزة العرض التكنولوجية بشكل منهجي في تمارين رئيسية مجدولة بانتظام، واختبار قدرتها على الدمج مع السفن الحربية الآهلة لعمليات الأسطول المتطورة. إضافة إلى اختبار نضج التكنولوجيا، وإعدادات الحمولة المثلى، وأنظمة القيادة والسيطرة، يستخدم السرب أيضاً نتائج هذه التمارين لتطوير مفاهيم LUSV/MUSV لعمليات CONOPS. ويجري اختبار التكنولوجيات الرئيسية المستندة أرضاً بالتوازي مع التقييمات البحرية. ووفقاً للبحرية الأميركية، يتبع تطوير المنصات والنضج التكنولوجي للأنظمة الفرعية مفهوماً إطارياً لهندسة الأنظمة عبر جهود ستة خطوط عمل: أنظمة هيكلية وميكانيكية وكهربائية موثوقة (HM&E)؛ وأنظمة اتصالات مؤتمتة؛ ونظام قتالي مدمج؛ ونظام قيادة وسيطرة؛ والإدراك الحسي والاستقلالية؛ والنمذجة الأولية للمنصة والحمولة.
أُجري أحدث (والأهم حتى الآن) دمج لسفن السطح غير الآهلة (USV) خلال تمرين (RIMPAC) لعام 2022، التي أُجريت في الفترة من 29 حزيران/ يونيو إلى 4 آب/ أغسطس بالقرب من هاواي وكاليفورنيا. وكانت هذه هي المرة الأولى التي تشارك فيها جميع زوارق USVDIV One الأربعة بالتزامن، حيث اقترن كل زورق سطحي غير آهل بمدمرة آهلة. وصرح القائد جيرميا دالي، رئيس USVDIV One، قائلاً: «نحن مندمجون بالكامل مع مناورة RIMPAC بأكملها، سواءٌ من خلال منظوري التخطيط أو قيد العمل - نحن مندمجون بالكامل مع شبكة القيادة والسيطرة الكاملة لجميع السفن الآهلة المشاركة في مناورة RIMPAC». وتضمن ذلك تشغيل سفن السطح غير الآهلة مع أسراب ومفارز متعددة الجنسيات بقيادة ضباط من الحلفاء والشركاء.
ستستند منصات سفن السطح غير الآهلة LUSV و MUSV إلى مواصفات السفن التجارية القوية، وستكون مجهزة بحمولات عسكرية موجودة. وستكون الحمولات تراكبية ويمكن إعادة إعدادها لتلبية أهداف المهام المتغيرة والبيئات العملانية.
تدعو الخطط الحالية إلى تجهيز MUSVs بمستشعرات وروابط اتصالات، واستخدامها بصورة رئيسية كأصول استخبار ومراق و/استطلاع (ISR)؛ ويتضمن ذلك استخدام صفائف سونارية مقطورة لرصد الغواصات. ومن المرجح أيضاً تجهيز MUSVs لعمليات الحرب الإلكترونية/ والمعلوماتية (EW/IO). وقد استخدمت التدريبات حتى الآن، من بين أمور أخرى، سفن MUSVs في الخطوط الأمامية لترحيل بيانات التهديف للأسلحة بعيدة المدى التي تطلقها المدمرات الآهلة. ومن أهم مزايا هذا الحل القدرة على تضليل القوات المعادية فيما يتعلق بحجم وموقع القوات الأميركية، حيث سيسمح للسفن الحربية الآهلة باستخدام مستشعرات خامدة مع الاعتماد على سفن MUSV للحصول على صورة أوسع للوضع.
سيتم تجهيز سفن المهام البحرية المستقلة (LUSVs) بمجموعة متنوعة من أنظمة الأسلحة الحركية، إضافة إلى طواقم استشعار. ومن المتوقع تزويدها بـ 16 أو 32 أنبوباً لنظام الإطلاق العمودي (VLS) لحمل الصواريخ المضادة للسفن (ASM) وصواريخ الهجوم الأرضي. يُدرس أيضاً تطوير طوربيدات ASROC المضادة للغواصات المدعمة بالصواريخ وغيرها من أنظمة الطوربيد. ستكون هذه السفن قادرة على القيام بعمليات شبه مستقلة، مع وجود مشغل بشري على متن سفينة آهلة أو على الشاطئ. لا يمكن إطلاق حمولات الأسلحة إلا من قِبل المشغلين عن بُعد. لن يكون الذكاء الصناعي للسفينة قادراً على الاشتباك مع الأهداف بصورة مستقلة. كما لن تحمل سفينة LUSV مكونات تُمكّن من الاشتباك مع الحمولة من على متنها؛ وهذا من شأنه أن يمنع القوات غير المصرح لها أو المعادية التي توجد على متن السفينة من السيطرة العملانية على الحمولة.
سيكون بإمكان كل من LUSV و MUSV عبور المحيط المفتوح بشكل مستقل والبقاء في البحر لأسابيع متواصلة. وقد أثبتت النماذج الأولية لكلا الفئتين قدرتها على الملاحة المستقلة لآلاف الأميال، مع الالتزام بلوائح التصادم الدولية أو «قواعد الطريق».
مع أن هذه السفن ستكون قادرة على العمل بمفردها، إلا أن مخطط مفهوم العمليات (CONOPS) الحالي يدعو إلى توزيع هذه السفن غير الآهلة على مجموعات حاملات الطائرات، ومجموعات الحرب البرمائية، ووحدات العمل السطحية الأخرى، بالإضافة إلى ربطها بسفن حربية آهلة يتم استخدامها بشكل فردي. الهدف هو دعم عدة سفن USV على سفينة آهلة فردية. ومن المرجح أن يتضمن ذلك تعاون سفن سطح غير آهلة ومجهزة بأنظمة الاستخبار والمراقبة والاستطلاع (ISR) مع سفن آهلة لتوفير سلسلة دعم شاملة. وتتوقع سيناريوهات أخرى تعاون مجموعة USV وعدة سفن آهلة داخل مفرزة مختلطة لمهام أوسع نطاقاً. لا يتطلب التعاون بين السفن، الآهلة وغير الآهلة، الملاحة على مقربة بعضها من بعض. بل ستُعزّز خدمة سفن السطح غير الآهلة من خلال توزيع الوحدات لتغطية بقعة واسعة. تقوم وحدات سفن السطح غير الآهلة بترحيل بيانات الوضع إلى مراقبي السفن الآهلة، الذين بدورهم سيعيدون توجيه سفن السطح غير الآهلة أو يأمرون باستخدام أسلحة أو معدات محددة، حسب مقتضيات الموقف.
بهذه الطريقة، ستدعم سفن LUSV وMUSV مفهوم العمليات البحرية الموزعة (DMO) التابع للخدمات البحرية الأميركية لعمليات الحرب. يُنسب إلى تبديد السفن المقتدرة قتالياً ميزتان: السماح بتنفيذ هجمات منسقة من مواقع واتجاهات أوسع، ما يعيق دفاعات العدو؛ ويجعلها أكثر صعوبة لتحديد موقع واستهداف نسبة كبيرة من أصول الأسطول الأميركي. إضافة إلى دعم مفهوم العمليات البحرية الموزعة، فإن مجرد إدخال عدد كبير من سفن LUSV سيزيد أيضاً بصورة كبيرة من حمولات الأسلحة المتوافرة باستثمار مالي متواضع نسبياً، وبحد أدنى من الحاجة إلى الأفراد.
سيتمكن كلا النوعين من سفن USV من دعم، من بين مفاهيم مهام محددة أخرى، عمليات القاعدة الاستشرافية المتقدمة (EABO). يدعو هذا المفهوم المشترك بين البحرية الأميركية وفيلق مشاة البحرية الأميركية إلى وحدات صغيرة ومتحركة من سلاح مشاة البحرية الأميركية لإجراء عمليات نقالة سريعة على امتداد سلاسل جزر غرب المحيط الهادئ في حالة الحرب مع الصين. بإمكان زوارق السطح غير الآهلة الكبيرة (LUSV) (والآهلة بسفن السطح غير الآهلة) دعم هكذا مهام من خلال تنفيذ عمليات الاستخبار والمراقبة والاستطلاع (ISR) عبر بقعة واسعة، وتوفير دعم ناري مباشر لعمليات الإنزال، وبصورة مستقلة ضرب سفن حربية معادية، إضافة إلى الأهداف العسكرية ذات الأولوية العالية (الدفاع الجوي، ومواقع إطلاق الصواريخ، والمطارات الترابية) في الجزر المعنية.
مع مراعاة مختلف المساهمات، تحافظ البحرية الأميركية التي ميدنت أعداداً كبيرة من الزوارق المسلحة غير الآهلة الكبيرة على دعم تطوير قوة أكثر انتشاراً وفتكاً.
كان هناك أيضاً مصلحة أوروبية بالعربات السطحية شبه المستقلة ذات الأداء العالي، على الرغم من أن غالبية الأنظمة التي يتم اختبارها أو ميدنتها تكون أصغر حجماً، حيث لا تتجاوز مدة تحملها بضعة أيام. ومع ذلك، فقد تم إدراك القيمة العملانية للأنظمة الأكبر حجماً بوضوح. على ضوء ذلك، أطلقت وكالة الدفاع الأوروبية (EDA) في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021 مشروع عربة سطح شبه مستقلة متوسطة الحجم (M-SASV)، والذي تم تنفيذه بشكل مشترك من قبل إستونيا وفرنسا ولاتفيا ورومانيا، حيث تتولى إستونيا دور منسق المشروع. الهدف هو عربة سطحية شبه مستقلة متوسطة الحجم يراوح وزنها بين 250 و500 طن، قادرة على تركيب وحدات مهام متعددة للاستخبار والمراقبة والاستطلاع، والحرب المضادة للغواصات، والحرب السطحية، وحرب الألغام/إجراءات مضادة للألغام. ينصب التركيز الأساسي على العمليات الساحلية، ولكن بما أن الزورق ليس قادراً على الاندماج في مجموعات المهام البحرية المنتشرة في أعالي البحار. يمكن لعربة M-SASV ميدنة طاقم صغير اختيارياً عندما تقتضي الحاجة إلى ذلك.
يتضمن طلب ميزانية البحرية الأميركية للسنة المالية 2023 مبلغ 549 مليون دولار أميركي لمواصلة البحث والتطوير في مجالَيْ سفن LUSV وMUSV. وتدعو خطة بناء السفن الخمسية 2023-2027 إلى المباشرة بشراء سفن LUSV في السنة المالية 2025 بسفينة واحدة، تليها وحدتان في العام 2026، وثلاث سفن إضافية في العام 2027. ومن المتوقع أن تنخفض أكلاف الوحدة من 315 مليون دولار أميركي للوحدة الأولى إلى نحو 241 مليون دولار أميركي لكل سفينة يتم شراؤها في العام 2027. وصرح الأدميرال جيلداي في شباط/ فبراير 2022 بأنه يرغب في البدء بدمج سفن LUSV ضمن مجموعات حاملات الطائرات ومجموعات الجهوزية البرمائية في موعد أقصاه العام 2028، وزيادة عدد هذه السفن تدريجياً في الأسطول بدءاً من العام 2030.
لا يزال التزام البحرية الأميركية بسفن MUSV غير مؤكد. لا تتضمن خطة بناء السفن للفترة 2023-2027 شراء أي سفن MUSV خلال المهلة الزمنية المحددة. في نيسان/ أبريل 2022، صرّح الأدميرال جيلداي بأن البحرية الأميركية تعيد النظر في حيازة سفن MUSV بعد أن أثبتت الاختبارات أن MUSV المحمولة على متن السفن الحربية الآهلة قادرة على تقديم مساهمة كبيرة في مهام الاستخبار والمراقبة والاستطلاع (ISR) وتأسيس صورة عملانية مشتركة. وقال جيلداي: «لا أعلم إن كنا بحاجة لسفن شبة مستقلة متوسطة الحجم أم لا. أنا لا أقول إننا لسنا بحاجة إلى سفن شبه مستقلة، بل أقول إن ذلك سيدفعنا إلى دراسة عدد المنصات التي قد نحتاجها». وأشار قائد البحرية إلى أن قرار شراء سفن شبه مستقلة من عدمه قد لا يُتخذ حتى العام 2030 تقريباً.^