الصواريخ الجوّالة المطلقة من البحر: تحوُّل من الصواريخ المتقادمة إلى Tomahawk و NSM
تُشكِّل مراحل تطوير الصاروخ الجوال «توماهوك» Tomahawk، من شركة «رايثيون» Raytheon، تحديات جديدة أمام «الصاروخ البحري الضارب» (NSM) من «كونغسبيرغ» Kongsberg الذي يزداد شعبية، وهذا ما يُسلّط عليه الضوء لي ويليت الكاتب في الشؤون العسكرية.
ظلّت القدرة على تنفيذ ضربات تقليدية دقيقة التهديف وبعيدة المدى من البحر، ولفترة طويلة في عالم ما بعد «الحرب الباردة» ضد أهداف بمواقع عميقة داخل البر مقتصرة على «البحرية الأميركية» (USN) و«البحرية الملكية البريطانية» (RN). وكانت الأداة لدى هاتين البحريتين لتنفيذ تلك المهمة هو الصاروخ الجوّال المُطلَق من البحر للهجوم البري Tomahawk (SLCM) من صنع شركة Raytheon.
وفيما جرى تطوير صاروخ Tomahawk في الأساس (باشتقاق Block I) كنظام مقتدر نووياً، فإن الاشتقاق التقليدي ظهر على الساحة العالمية في خلال «حرب الخليج» العام 1991. وتَبَع ذلك استخدام لهذا الصاروخ بوتيرة عالية في المعارك القتالية في كُلٍّ من كوسوفو (العام 1998)، وأفغانستان (2001)، و«حرب الخليج الثانية» (العام 2003)، فضلاً عن استخدامه في العديد من العمليات الاستطلاعية وحفظ الأمن الإقليمي (على سبيل المثال، سوريا في العام 2018). وترافق هذا الاستخدام مع اعتماد اشتقاقات (Block) عديدة مختلفة من صاروخ Tomahawk. فقد استُخدمت اشتقاقات Block II في «حرب الخليج الأولى» العام 1991. أما اشتقاق Block III فقد ظهر في العام 1993. وتلا ذلك اشتقاق Block IV في العام 2004. أمّا اشتقاق Block V فكان ظهوره في العام 2021 في محاربة الحوثيين، وثمة خطط لتطوير الاشتقاقين المتطوّرين Block Va و V Block.
ويظهر تطوير صاروخ Tomahawk أيضاً كيف تغيّرت العمليات القتالية في عالم ما بعد الحرب الباردة. وقد اعتُمِدت في Block III قدرة التهديف بـ «نظام تحديد الموقع العالمي» GPS)، ما منح صاروخ Tomahawk وصولاً على مدار 360 درجة إلى الهدف (بدلاً من اتباع خارطة طريق، كما فعل Block II في العام 1991). وقد اشتمل اشتقاق Block IV - بصفة «توماهوك التكتيكي» Tactical Tomahawk (TacTom) - على قدرة إعادة تسديد أو تهديف خلال تحليق الصاروخ بفضل وصلة بيانات ثنائية المسار فضلاً عن قدرة على التحويم. وبحسب شركة Raytheon، يتيح اشتقاق Block V اتصالات وملاحة محسّنتين ضمن اشتقاق «محدّث من TacTom»؛ في حين أنّ اشتقاق Block Va سيتيح قدرة مضادة للسفن في ما يُعرف «نظام الرأس الحربي المشترك المتعدّد التأثيرات التدميرية» Joint Multi-Effects Warhead System (JMEWS)، ويؤمّن الطاقة على ضرب أهداف برية أكثر تنوّعاً.
إنّ إضافة قدرة «الصاروخ المضاد للسفن» (ASM) على Tomahawk من خلال صاروخ «توماهوك البحري الضارب» Maritime Strike Tomahawk (MST) لَهِي أكثر التحديثات اقتداراً، خصوصاً من ناحية الدلالة على الظروف العملانية الناشئة التي حتمت مطالب لتطوير هذا الاشتقاق.
وكان صاروخ Tomahawk المثال الأول للقدرة البحرية على مهاجمة البر وتوجيه ضربات في العمق التي صُمّمت للتدخل الفعّال في الأحداث على الشاطئ انطلاقاً من البحر. وفي السياق العملاني المعاصر، أوجبت عودة خصومة بعض الدول والرغبة في حفظ أمن دوائر النفوذ على الشاطئ وفي البحر، أن تؤدّي القدرات الضاربة الدقيقة دوراً أساسياً في إنشاء - أو تفكيك - «فقاعات» منع الدخول/المنطقة المحرّمة Anti-Access/Area Denial (A2/AD)، على سبيل المثال تلك التي تُحيط بالمضائق أو الممرّات البحرية الرئيسية. وبناء على ما سبق، فإن عودة التنافس البحري - بل الاقتتال البحري كما هو الحال مع حرب أوكرانيا - قد حتّم بل عجّل الحاجة إلى سفن وغوّاصات لاستهداف سفن السطح من مدى تباعدي في البحر.
وقد دفعت التهديدات البحرية المتنامية في البحر العديد من البحريات للعودة إلى تنفيذ عمليات مجموعة قتالية بحرية متكاملة، وهي بحدّ ذاتها تستحدث مطالب للدفاع عن مثل هذه المجموعات ومهاجمتها على حدٍّ سواء بقدرات ضربات دقيقة تقليدية تباعدية. وليست القوة الدافعة هنا هي تطوير القدرة البحرية الغربية بقدر ما هي الزيادة الكبيرة في قدرة البحرية الروسية على استهداف السفن الغربية في البحر من سفن سطح ومنصات دون السطح (غواصات) على حدٍّ سواء. والدليل على ذلك الضربات التي وجّهتها البحرية الروسية من سفن سطح وغواصات روسية ضد أهداف برية في النزاعين الدائرين في سوريا [قبل 8 كانون الأول/ ديسمبر 2024] وفي أوكرانيا. ومع ذلك، ما يُثير قلق البحريات الغربية أيضاً هو قدرة سفن السطح والغوّاصات الروسية على استهداف سفن بحرية غربية بقدرة الصاروخ المضاد للسفن Kalibr ASM البعيد المدى.
وفي السنوات الأخيرة، شجّعت هذه المطالب على تسريع البحريات الغربية وشركائها الدولية لنشاطات تطوير قدرات «صاروخ جوّال مُطلَق من البحر للهجوم البري» (SLCM). فعلى سبيل المثال، اعتمدت فرنسا الصاروخ البحري الجوّال Missile de Croisière Naval (MdCN) من شركة «مبدا» MBDA في أسطول سفن السطح والغواصات التقليدية لدى بحريّتها؛ وعبّرت «البحرية الأسترالية» و«قوات الدفاع الذاتي للبحرية اليابانية» عن نيات متجدّدة للاستحصال على صاروخ Tomahawk. ومع ذلك، لعلّ التطوّر الأكثر إثارة للاهتمام هو النجاح المتزايد لـ «الصاروخ البحري الضارب» (NSM) من شركة Kongsberg.
ومن حيث المقارنة، فإن اعتبار صاروخ Tomahawk نسبياً أكثر ملاءمة للحرب التقليدية، وصاروخ NSM أكثر مجاراة للتطوّر إنما يعكس الظروف والمتطلّبات العملانية عند ظهور كلّ من الصاروخين. فقد طُوِّر صاروخ Tomahawk التقليدي لتوفير ضربات دقيقة بأعداد كبيرة لمواجهة القوة التقليدية السوفياتية الضخمة الأكثر شمولاً، بحسب الدكتور سيدهارث كاوشال، الباحث المختص في القوى البحرية لدى «المعهد الملكي للخدمات المتحدة» Royal United Services Institute (RUSI). وبينما أصبحت الأسلحة النووية أقل ملاءمة في فترة ما بعد الحرب الباردة، حيث وفّر صاروخ Tomahawk للبحريتين البريطانية والأميركية قدرة تقليدية لتوجيه ضربات في العمق تُحدث تأثيراً كبيراً. كما أنه يوفر خياراً للردع التقليدي.
وتابع كاوشال: «خلافاً لذلك، فإنّ الدول التي تسعى إلى الحصول على قدرات مثل الصاروخ البحري الضارب NSM تملك بحريات أُنشئت في الأساس للتصدّي لأية سيطرة بحرية مناوئة بدلاً من نشر قوة استطلاعية متقدّمة». وبالطبع إن الحاجة إلى إعادة ترسيخ السيطرة البحرية للتصدّي للوجود البحري الروسي إنما يشير إلى السبب وراء انبثاق الصاروخ البحري الضارب كقدرةٍ أولية صاروخية مضادة للسفن ASM لدى العديد من بحريات دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» (NATO). ويؤكّد كاوشال إنّ تطوير قدرة «توماهوك البحري الضارب» (MST) لصواريخ Tomahawk قد يُبدِّد الفارق الذي يفصل بين هذين النوعين من المتطلّبات، بينما يتواصل على قَدَمٍ وساق تطويرُ تلك القدرة الصاروخية في البحار.
في الطليعة
يبقى «الصاروخ البحري الضارب» (NSM) حتماً في طليعة قدرة الصواريخ الجوّالة الحالية، وكان العميل الأول الذي حصل على هذا الصاروخ هو «البحرية النروجية»، ولا يزال قيد الخدمة العملانية على متن فرقاطات البحرية النروجية من فئة Fridtjof Nansen وفرقيطاتها من فئة Skjold، بعدما وصل إلى «القدرة العملانية الأوّلية» (IOC) على متن تلك المنصات في العام 2012.
ومن خلال شراكة أُقيمت بين شركتَي Kongsberg و Raytheon، أُدخِل صاروخ NSM في خدمة «البحرية الأميركية» كسلاح متوسط المدى في ما يتعدّى الأفق لـ «الحرب المضادة لسفن السطح» (ASuW) وكذلك لتوجيه هجمات في البر. ويُنشر هذا الصاروخ عبر منصات إطلاق مركّبة على اشتقاق «سفينة القتال الساحلي» (LCS) من فئة Independence لدى «البحرية الأميركية». كما من المقرر نشره على متن فرقاطة البحرية المستقبلية من فئة FFG 62 Constellation. وتتعاون ألمانيا والنروج، وفقاً لشراكة استراتيجية أُرسيت في العام 2018، على تطوير قدرة صاروخ بحري ضارب لصالح «البحرية الألمانية». وقد اختير صاروخ NSM أيضاً لبرنامج مدمّرات السطح الكندية لدى «البحرية الكندية»، وكذلك لصالح فرقيطات فئة Gowind/Maharaja Lela لدى «البحرية الماليزية».
تلك هي خطط فعلية، لكن صاروخ NSM بقي متصدّراً الأنباء في السنوات الأخيرة.
فعلى سبيل المثال، أعلنت شركة Kongsberg في كانون الأول/ديسمبر 2022، أنّ «وكالة العتاد الدفاعي النروجي» (Norwegian Defense Material Agency) قد طلبت - من خلال عقد بقيمة 60.1 مليون دولار (604 ملايين كرون نروجي) عدداً إضافياً من صواريخ NSM لدعم استمرار تطوير قدرة NSM وفقاً للتعاون الألماني-النروجي.
وقد انضمّت «البحرية الهولندية» في الفترة ذاتها إلى نادي مستخدمي صواريخ NSM، حيث وقّعت «وزارة الدفاع الهولندية» عقداً مع شركة Kongsberg لإمدادها بصواريخ NSM لصالح فرقاطة الدفاع الجوي والقيادة من فئة De Zeven Provincien لديها، وذلك للتصدّي للتهديدات المستقبلية والاستعداد للبيئات القتالية المستجدّة، ما يجعل منه صاروخاً ضارباً دقيقاً بعيدَ المدى متعدّدَ المهام (مضاداً للسفن وللهجمات البرّية) من الجيل الخامس، صُمّم لضمان توجيه ضربات فعّالة في ظل ظروف معقّدة، بحسب بيانٍ لشركة Kongsberg.
من ناحية البحرية الهولندية، سيستبدل صاروخ NSM قدرة الصاروخ المضاد للسفن «هاربون» McDonnell Douglas/Boeing Harpoon Block 1C ASM على متن الفرقاطات فئة De Zeven Provincien. وأوضحت «وزارة الدفاع» الهولندية في بيان لها أنّ صاروخ NSM ينطوي على العديد من التحديثات على القدرة مقارنة بصاروخ Harpoon. وقالت الوزارة: «هذا الصاروخ هو أكثر دقة، ومداه أبعد بكثير، ويستخدم الصاروخ رأساً باحثاً متقدّماً عاملاً بالأشعة تحت الحمراء. ويصعب رصد هذا الصاروخ من قبل سفن العدو بفضل استخدامه لخصائص خفيّة»، وأشارت الوزارة إلى أنّ عمليات تسليم صواريخ NSM للبحرية الهولندية ستبدأ في وقت ما خلال هذا العام.
وكانت «البحرية البريطانية» قد انضمّت في تشرين الثاني/نوفمبر العام 2022 إلى نادي مستخدمي صاروخ NSM، وهدفها اعتماد صاروخ NSM كقدرة «صاروخ مضاد للسفن» ASM يُستخدم على سفن سطح، لاستبدال صاروخ Harpoon التقليدي. وقد وُقَّع العقد على متن حاملة الطائرات البريطانية HMS Queen Elizabeth، خلال رسوها في ميناء أوسلو ضمن إطار انتشار هذه الناقلة ضمن مجموعة ضاربة في شمال الأطلسي.
وأعلنت شركة Kongsberg في بيانٍ لها أن «البحرية الملكية» ستُجهّز فرقاطاتها من نوع Type 21 ومدمّراتها من نوع Type 45 بأول سفينة للبحرية البريطانية مجهّزة بقدرة «صاروخ بحري ضارب» NSM، وقد أصبحت جاهزة للعمليات خلال العام 2023.
وبالنسبة إلى «البحرية الملكية»، يُضيف صاروخ NSM قدرة مهاجمة البر من سفن السطح ليُكمّل الهجوم البرّي لصاروخ Tomahawk الذي جُهّزت به «الغواصات الهجومية العاملة بالطاقة النووية» (SSN) لدى البحرية المذكورة.
ومن شأن صاروخ NSM أن يجسر الهوة في «البحرية الملكية» بين صاروخ Harpoon وصاروخ آخر سيحلّ مكانه على نحو دائم، على أن يتم تسليمه - بموجب «برنامج سلاح السطح الهجومي المستقبلي» - بدءاً من العام 2028 وستُجهّز به الفرقاطات المستقبلية من نوع Type 26، تلك التي يجري حالياً بناء ثلاثٍ منها لدى حوض «غوفان» Govan لبناء السفن التابع لشركة «ب أيه إي سيستمز» BAE Systems على نهر «كلايد» (Clyde) في اسكتلندا.
يعكس نطاق ووتيرة الاستحصال على صاروخ NSM - بما في ذلك مشتريات البحرية الإسبانية» في أيلول/ سبتمبر العام 2022، وكذلك «البحرية الاسترالية» في نيسان/ أبريل من العام ذاته - المدى الذي أصبح فيه صاروخ NSM قدرة رئيسية في كل دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» وشركائه، وما لذلك من فوائد على الصعيد العملاني، فضلاً عن تطوير برنامج هذا الصاروخ.
فمن ناحية العمليات، يُعيد العديد من البحريات الأطلسية بناء هيكليات مجموعة مهام خاصة ضاربة على الصعيد الوطني، وتُسهم تلك البحريات على نحو منتظم بوضع هيكليات لمجموعات مهام خاصة ضاربة [أطلسية] متعددة الجنسيات، ما في ذلك «المجموعات البحرية الأطلسية الثابتة» (SNMG). ومن المرتقب أن يصبح صاروخ NSM قدرة دفاعية محورية مضادة للسفن لجميع مجموعات المهام الخاصة الضاربة تلك. ومن شأن التوافر الأشمل لصاروخ NSM أن يستحدث خيارات متاحة للأعضاء في نادي المستخدمين للتعاون في تطوير «المبادئ العملانية» (CONOPS) لاستخدام صاروخ NSM.
أمّا من ناحية تطوّر البرنامج، فمن شأن الزيادة في مشتريات صواريخ NSM أن تتيح للأعضاء في نادي المستخدمين تحقيق وفورات من ناحية صيانة الصواريخ (على سبيل المثال، شراء جماعي لقطع الغيار) وكذلك من جهة مشتريات إضافية مستقبلية لتلك الصواريخ.
ويشير الاستثمار الواسع الانتشار في صواريخ NSM أيضاً إلى كون البحريات الأطلسية قد أدركت الحاجة إلى إعادة بناء قدرة «صواريخ مضادة للسفن» (ASM)، وهي حاجة أصبحت أكثر إلحاحاً بعودة التهديد الروسي لأوروبا. وقال نيك تشايلدس (Nick Childs)، كبير الباحثين لدى القوات البحرية والأمن البحري في «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» (IISS) في لندن: «إنّ مشتريات هذا الصاروخ هي إثباتٌ على أن العديد من بحريات حلف شمال الأطلسي/الناتو كانت لفترةٍ من الوقت لا تستثمر بما يفي في مثل هذه القدرة لأن الاهتمام كان مركّزاً على أمور أخرى، بينما كان الآخرون (بما في ذلك الخصوم المحتملون) قد ضخّوا موارد هائلة في هذا المجال. لذا، إنها مسألة لحوقٌ واستدراك، والإسهام في استعادة جزءاً من القدرة الردعية والعملانية [الصاروخية في هذا المجال]».
وتابع تشايلدس: «أصبح صاروخ NSM خياراً مؤاتياً لأنه بدا ملائماً من نواح عدة، بما في ذلك قدرته على الاستهداف في بيئات معقدة، ولكونه قادراً على توجيه ضربات في عمق البر، فضلاً عن صفات مميزة أخرى مثل الانكشافية أو البصمة المنخفضة، ولتوافره، ولكون البحرية الأميركية قد اعتمدته».
وختم تشايلدس: «من شأن الحصول على نظام حديث مثل NSM أن يُعزّز فعالية وكفاية مجموعات المهام الخاصة الضاربة الوطنية والمتعددة الجنسيات لأنه سيضيف قدرات هجومية موزّعة على نحو فعّال في ما بين مثل هذه التشكيلات، وبالتالي يفرض تحديات جديدة على أي خصوم محتملين. إن تجهيز المنصات بمثل هذا النظام سيضيف قيمة لما يمكن أن تُقدّم كُلٌّ من تلك الدول لمجموعات المهام الخاصة المتعددة الجنسيات».
وبحسب شركة Kongsberg، يُعزّز صاروخ NSM العمليات البحرية المعاصرة بالعديد من المميزات الأساسية. أولاً، مرونته: فبالإمكان إطلاق صاروخ NSM «من مجموعة متنوّعة من المنصات ضد مجموعة متنوعة من الأهداف في البحر والبر».
ثانياً، قدرته على المناورة، حيث صُمِّم بدن صاروخ NSM حول «معدل ضغط إلى وزن» (thrust-to-weight ratio) عالٍ.
ثالثاً، قدرته على البقاء، التي تستند إلى توليفة من البحث الخامل عن الهدف، باستخدام قدرة رأس باحث تصويري عامل بـ «الأشعة تحت الحمراء» (IR) يستند إلى خاصية «التعرُّف الذاتي على الهدف» (ATR)؛ وكذلك بصمة بدن الصاروخ المنخفضة (low-profile)، والتحليق فوق سطح البحر مباشرة (sea-skimming) المنخفض الانكشافية؛ وقدرته على المناورة الطرفية عند ضغوط جاذبية عالية (high-g). ومن شأن الإدماج معاً لقدرات الرأس الباحث والقدرة على المناورة، وإمكانية تنسيق وصول أكثر من صاروخ NSM لضرب الهدف في الوقت ذاته (time-on-target) أن يُعزِّزا هذه القدرة العالية جداً على البقاء بمواجهة قدرات أنظمة دفاع جوي معاصرة، بما يُرسّخ هذه القدرة في «بيئة محرّمة» (denied environment)، كما أكّدت الشركة في أحدث توثيق لمواصفات صاروخ NSM.
وتُحتّم صعوبة البيئة التشغيلية الحالية في البحر الحاجة إلى تَمكُّن الصاروخ من البقاء في مثل هذه البيئات المحرّمة، على سبيل المثال حول ممرات ضيقة ذات حركة بحرية كثيفة، وكذلك مناطق الولوج الساحلية الأخرى. وتسمح القدرات المشتركة لتصميم صاروخ NSM له العمل بفعالية في بيئات حسّاسة مماثلة، كما أكد هانس غونغلف (Hans Kongelf)، نائب الرئيس لتنمية الأعمال لدى «وحدة الدفاع والصواريخ الجوفضائية» لدى شركة Kongsberg.
وأضاف غونغلف: «يمكن لصاروخ NSM أن يُحلّق بقوة ومرونة في المناطق الساحلية وفوق الشواطئ وذلك بقدرته الفائقة على الانعطاف سريعاً، وبالتالي مباغتة الخصم من زوايا هجومية بديلة. وفي المرحلة الأخيرة من الاشتباك، يُستخدم الرأس الباحث الخامل العامل بالأشعة تحت الحمراء ضد أهداف بحرية وأخرى برية على حد سواء، ما يمنح المشغّل المرونة والدقة، وهو ما تعجز الرؤوس الباحثة الرادارية على القيام به.
ويُحلّق صاروخ NSM بسرعات عالية ما دون سرعة الصوت (sub-sonic) على أمداء تصل إلى 100 ميل بحري (185 كيلومتراً).
يمكن لصاروخي NSM و Tomahawk أن يُوفرا قدرات متنوّعة للتصدي لأهداف فوق الشاطئ، وكذلك في البحر، بوتيرة متزايدة. وتوفر هذه القدرات وسائل مختلفة للتعامل مع مختلف مجموعات الأهداف.
أما القدرة التي تُميّز ما بين هذين الصاروخين فهي المدى. فبحسب شركة «رايثيون» Raytheon يبلغ مدى صاروخ Tomahawk نحو 870 ميلاً بحرياً (1,600 كيلومتر).
ويمكن لصاروخ Tomahawk، إذا ما نُشر على متن سفن وغواصات تجوب بحار العالم، إما أن يبقى على مسافة تباعدية من هدف على الشاطئ أو في البحر ما يُبقي منصة إطلاقه بمأمن بعيداً عن مرامي الدفاعات المضادة، أو يمكنه أن يصل إلى أمداء أبعد داخل البر. وفي السياق الأخير، أكّدت «البحرية الأميركية» سابقاً أنّ بإمكان Tomahawk الوصول إلى أي مكان على الشاطئ في العالم، ما عدا منطقة أو اثنتين معزولتين في وسط قارات تُحيط بهما سلاسل جبلية عالية.
وفي مقارنةٍ مع تنامي قاعدة العملاء الكبار لصاروخ NSM منذ دخوله الخدمة العملانية لدى «البحرية النروجية» في العام 2012، فإن صاروخ Tomahawk هو قيد الخدمة العملانية لدى بحريتَيْن فحسب على الرغم من أنه في الخدمة العملانية لدى «البحرية الأميركية» منذ العام 1991. وثمة عدد من البحريات على نطاق العالم يستطلع رسمياً، أو على نحو غير رسمي، قدرات Tomahawk وسبل الاستحصال عليه. وحتى حينه، ربما تكون هولندا العميل الأقرب الذي يدخل نادي Tomahawk، ولو أن خطة الحصول على 30 صاروخاً مماثلاً معلّقة منذ العام 2007.
ومهما يكن من أمر، ثمة بحريتان تنظران بجدّية للحصول على صاروخ Tomahawk. الأولى، هي البحرية الأسترالية، كما أُعلن بموجب الشراكة الاستراتيجية بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة (AUKUS) في أيلول/سبتمبر العام 2021، حيث تدرس البحرية الاسترالية حالياً تجهيز مدمّرات الصواريخ الموجّهة (DDG) الثلاث لديها من فئة Hobart بصواريخ Tomahawk، بما يُوسّع من نطاق قدرات تلك المدمّرات بما يتعدّى تركيزها على الدفاع الجوي الأساسي. وربما تُجهّز «البحرية الأسترالية» إذا ما استحصلت على هذا الصاروخ غواصاتها من فئة Collins، بحسب تقرير في وسائل الإعلام.
تُطلق غواصات «البحرية الأميركية» صواريخ Tomahawk من أنظمة إطلاق عمودية (VLS) لا من أنابيب إطلاق طوربيدات. أمّا قدرة Tomahawk لدى «البحرية البريطانية» فقد جُهّزت بها الغواصات العاملة بالطاقة النووية من فئة Astute، لكنها تُطلق من أنابيب طوربيدو (TTL)، إذ إن غواصات Astute لا تشتمل على أنظمة إطلاق عمودية، وكذلك غواصات Collins الأسترالية. وإذا ما اختارت «البحرية الأسترالية» تجهيز غواصات Collins بصواريخ Tomahawk، فإنّ «البحرية الأميركية» وشركة Raytheon ستُعيدان افتتاح خط إنتاج صواريخ Tomahawk المُطلقة من أنابيب الطوربيدو، وهو ما قد يساعد «البحرية البريطانية» في الحفاظ على مخزونها من صواريخ Tomahawk المُطلقة من الغواصات لديها.
ثانياً، «البحرية اليابانية»، حيث أعلنت وكالة أنباء «كيودو» (Kyodo) اليابانية في تشرين الثاني/نوفمبر العام 2022 أن البحرية المذكورة تدرس طلب الحصول على عدد كبير من صواريخ Tomahawk يصل إلى نحو 500 صاروخ مماثل مع نهاية السنة المالية 2027، وذلك لتعزيز قدراتها التقليدية الضاربة لردع مجموعة متنامية من التهديدات الإقليمية. وأضاف تقرير وكالة «كيودو»، أن ثمة خيارات لتجهيز مدمّرات وغواصات «البحرية اليابانية» بمثل تلك الصواريخ.
ومن بين الأسباب وراء اندفاع «البحريتين الاسترالية واليابانية» للحصول على صواريخ Tomahawk هي المدى الذي يُحقّقه، كما سبق القول، وهو 870 ميلاً بحرياً (1,600 كيلومتر)، وذلك بمثابة قدرة تباعدية قد توفّر المدى الطويل جداً للرمايات البحرية الشاسعة على امتداد المحيطَيْن الهندي والهادئ. وبينما يُجادل بعض المُحلّلين المتخصّصين حول مدى الاستجابة العملانية لصواريخ Tomahawk في عصر تُختصر متطلّباته بـ «السرعة والسرعة ولا شيء غير السرعة»، فإن قدرة التحويم وإعادة التهديف المتوفّرة في اشتقاقي Block IV و Block V قد تساعد على التعويض عن بعض المحدوديات في أي نقص نسبي بالسرعة.
وتشتري أستراليا أيضاً الصواريخ البحرية الضاربة» NSM، لاستبدال صواريخ Harpoon على متن مدمّرات فئة Hobart و الفرقاطات فئة ANZAC لدى «البحرية الأسترالية».^