إعادة تمويل البحريات الخليجية
دول الخليج العربي أو الإسلامي استثمرت ميزانيات دفاعية لإعادة تمويل القوات البحرية، إضافة إلى أحواض بناء السفن المحلية
كانت النزاعات في الخليج العربي أو الإسلامي وعلى امتداد الشرق الأوسط، خلال السنوات الأخيرة، الدافع الرئيسي لزيادة المصارفات الدفاعية والجهود المبذولة لتحسين قدرات القوات العسكرية.
إن التنافس بين جمهورية إيران الإسلامية والمملكة العربية السعودية هو أحد الأسباب الرئيسية للتوتر في المنطقة، ولكن هناك أيضاً خلافات بين دول مجلس التعاون الخليجي - يُعرف بالخلاف الداخلي - ما أدى إلى التوترات المتصاعدة.
تتألف دول مجلس التعاون الخليجي من المملكة العربية السعودية وقطر والكويت وسلطنة عُمان ومملكة البحرين والإمارات العربية المتحدة. وتشغل هذه الدول واحداً من الممرات المائية الاستراتيجية الأكثر أهمية في العالم، والتي يمكنها السيطرة على الدخول إلى الخليج الإسلامي وإمدادات النفط العالمية، وبالتالي فهي موضع اهتمام القوى الرئيسية.
تكافح المملكة العربية السعودية وقطر للهيمنة منذ الربيع العربي العام 2011، عندما اتخذت حكومتا الرياض والدوحة مواقف متعارضة، كما دعمتا مجموعات مختلفة في ليبيا ومصر وسوريا والبحرين وفي الحرب الأهلية اليمنية. وعلى الرغم من أن هذه الدول المجاورة لم تصطدم قط بهجمات مباشرة، إلا أن كل منها يسعى جاهداً لاستخدام نفوذه لتعزيز مصالحه الخاصة على حساب الدول الأخرى.
وبحسب توم والدوين، وهو محلل أبحاث في مجال الدفاع والتحليل العسكري في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS)، فإن جهود التحديث البحرية في دول مجلس التعاون الخليجي اتجهت نحو إعادة تمويل أساطيلها السطحية القتالية بفرقاطات وفرقيطات جديدة متعددة الأدوار. وأضاف في حديثه لـAMR: «بدأت العديد من الدول أيضاً بتوسيع حجم وقدرات قوات إنفاذ القانون البحري، ويعود ذلك على الأرجح إلى عدم الاستقرار الواسع في البحر نتيجة للحرب الأهلية في اليمن»، لكنه أضاف أن تحديث البحرية في دول الخليج «لا يغطي نطاقاً كبيراً من القدرات مثل جهود المشتريات في مجالات أخرى».
يعود ذلك إلى أن أي تهديد وجودي للأنظمة الحاكمة في هذه الدول لا يمكن أن يأتي إلا من غزو بري للإطاحة بها، ولذلك ركز الاستثمار على المشتريات البرية والجوية كأولوية. وعلى الرغم من هذه الأولوية، حظيت المشتريات البحرية بتمويل كبير.
شهدت البحرية الأميرية القطرية (QEN) توسعاً ملحوظاً خلال العقد الماضي كجزء من تحديث أوسع لقوات الدفاع القطرية، حيث أُنفقت مليارات الدولارات على طائرات مقاتلة جديدة. وكانت شركة بناء السفن الإيطالية «فينكانتيري» Fincantieri المستفيد الرئيسي من الجانب البحري، حيث وقّعت الشركة عقداً في حزيران/ يونيو 2016 بقيمة تُقدر بين 3.9 و5.6 مليارات دولار أميركي لتزويد البحرية الأميرية القطرية بسفن جديدة لتعزيز قدراتها البحرية بشكل كبير.
وبهذا الصدد قال والدوين: «إن العقد الذي أبرمته قطر مع شركة Fincantieri بقيمة 5.65 مليارات دولار لشراء فرقيطات وزوارق دورية بحرية وسفينة هجومية برمائية (وسيوفر عقداً منفصلاً مع «ليوناردو» Leonardo لتزويدها بطوافات) سيُمثل التحديث الأكثر أهمية لأسطول بحري موجود في المنطقة، وسيُمثل تحديات عديدة تشمل التدريب والبنية التحتية والعمليات».
في العام 2018، طلبت قطر 28 طوافة بحرية طراز NHI NH90، شكلت 12 منها اشتقاقات لطوافات بحرية تابعة لحلف شمال الأطلسي. أعلنت Leonardo في 3 كانون الثاني/ يناير 2022 أن الاشتقاقات الأولى لطوافات البحرية NFH تم تسليمها «بعد تأهيلها» عقب تسليم أول طوافة من طراز TTH للقوات الجوية الأميرية القطرية في 11 كانون الأول/ ديسمبر. وستنجز عمليات التسليم في العام 2025.
في تشرين الأول/ أكتوبر 2021، سلمت Fincantieri أول أربع فرقيطات دفاع جوي جديدة من فئة «الزبارة» Al Zubarah (سابقاً فئة الدوحة) إلى القوات البحرية الأميرية القطرية. وتم إطلاق السفينة الثانية، «دامسة» Damsah، في شباط/ فبراير 2021، إلى جانب وضع عارضة تصميم السفينة الرابعة، «سميسمة» Sumaysimah. تم إطلاق السفينة 3، «الخور» Al Khor، في تشرين الأول/ أكتوبر 2021 ونفذت عمليات التسليم بين عامي 2022-2023.
وفي الحدث ذاته، أطلقت Fincantieri أيضاً أول زورقي دورية بحرية جديدين للقوات البحرية الأميرية القطرية. وتحت مسمى «مشيرب» Musherib تم تسليم زورق الدورية البحرية، في أواخر كانون الثاني/ يناير 2022. تم إطلاق زورق الدورية البحرية الثاني، فئة Sheraouh، في حزيران/ يونيو 2021 وتم تسليمها أيضاً في منتصف العام 2022، ورغبت قطر وضع هذا الزورق في الخدمة مع بداية بطولة كأس العالم لكرة القدم 2022. بدأ بناء المنصة البرمائية الجديدة (LPD) للسفينة البرمائية في منشأة بالميرو التابعة لِـ Fincantieri، وتم إطلاقها في أواخر العام 2022 قبل تسليمها في حوض بناء السفن موجيانو في العام 2024.
وحتى وقت قريب، كانت البحرية الأميرية القطرية تتألف من حفنة من زوارق الهجوم السريعة فئة «برزان» Barzan. كما تسلمت البحرية الأميرية القطرية 17 زورق دورية من شركة «آريس لبناء السفن» ARES Shipbuilding في تركيا، وتسلمت سفينة التدريب فئة «الدوحة» Al Doha من حوض بناء السفن الأناضولي، وهو حوض تركي أيضاً، في آب/ أغسطس 2021، كما تسلمت أيضاً سفينة تدريب ثانية، فئة «الشمال» Al Shamal، في العام 2022. وسيكون دمج كل هذه المنصات الجديدة والمستشعرات والأسلحة أمراً صعباً بالنسبة لدولة يبلغ عدد سكانها 2.3 مليوني نسمة. كما وسعت قطر أيضاً المديرية العامة لأمن السواحل والحدود (GDCBS) التي افتتحت مقراً جديداً لها في منطقة الظعاين في تموز/ يوليو 2019، تسلمت أيضاً أسطولاً جديداً من زوارق الدورية بطول 48 متراً من حوض بناء السفن التركي ARES.
من حيث الإنفاق، تُقدّم المملكة العربية السعودية القيمة الأكبر من المال للقوات البحرية الملكية السعودية (RNSF)، وهي واحدة من أكبر الدول إنفاقاً على الدفاع عالمياً. ولديها سلسلة من المشاريع تحت البرنامج الثاني للتوسع البحري السعودي (SNEP II) بقيمة تزيد عن 20 مليار دولار.
وصرح والدوين قائلًا: «لدى المملكة العربية السعودية ما يقارب 10 مليارات دولار من المشتريات البحرية وخفر السواحل الجارية، وأهم برنامج هو «برنامج سفن القتال السطحي متعددة المهام» (MMSC) بقيمة 6 مليارات دولار، بالتعاون مع شركة «لوكهيد مارتن» Lockheed Martin، لحيازة أربع فرقاطات تستند إلى تصميم سفينة القتال الساحلية (LCS) من فئة «الحرية» Freedom. ومن المرجح أن تحل هذه السفن محل الفرقاطات الأربع من فئة «المدينة» Madina التي تعود إلى ثمانينيات القرن الماضي».
وتم توقيع عقد MMSC في تشرين الأول/ أكتوبر 2016 بموجب اتفاقية مبيعات عسكرية أجنبية (FMS) مع الولايات المتحدة. بدأ حوض بناء السفن «مارينيت» الخاص بِـ Lockheed Martin بناء الفرقاطة الأولى، فئة «سعود» Saud، في تشرين الأول/ أكتوبر 2019، وبدأ العمل على السفينة الثانية في كانون الثاني/ يناير 2021.
في كانون الثاني/ ديسمبر 2021، أطلقت شركة «نافانتيا» Navantia الإسبانية لبناء السفن، الفرقاطة الخامسة والأخيرة «أفانتي 2200» لصالح القوات البحرية الملكية السعودية في إطار برنامج «السروات» Al-Sarawat. كما وُقّع عقد بقيمة ملياري دولار أميركي لهذه الفرقيطة الخماسية بين الشركة السعودية للصناعات العسكرية (SAMI) و Navantia في تموز/ يوليو 2018. وتم تسليم الفرقيطة فئة «عنيزة» Unayzah في شباط/ فبراير 2024. أما الفرقيطة الرابعة، «جازان» Jazan، فقد أطلقت في تموز/ يوليو 2021.
وأوضح والدوين أن «صفقة المملكة العربية السعودية مع «نافانتيا» بشأن فرقيطات «أفانتي 2200» تتضمن إنشاء مشروع مشترك للعمل على نظام إدارة القتال وبيعه في المنطقة، ولكنها لا تشمل أعمال بناء السفن أو المبادلة». وقد تولى مشروع SAMINavantia المشترك أعمال إدارة المشروع وتطويره. وطُوِّر نظام إدارة القتال الجديد (CMS)، المسمى HAZEM، بنقل التكنولوجيا من Navantia، التي تشكّل جزءاً من جهود الرياض لِـ «رؤية السعودية 2030» لإنفاق ما لا يقل عن 50 في المائة من الميزانية الدفاعية داخل السعودية.
ويبدو أن الخطط المبكرة لبناء الفرقاطتين الرابعة والخامسة في المملكة العربية السعودية في إطار مشروع SAMINavantia المشترك قد باءت بالفشل، حيث لا توجد صناعة لبناء السفن البحرية في البلاد، ومن المرجح أن يكون إنشاء حوض بناء سفن جديد مكلفًا للغاية. ومع ذلك، سيتم استكمال الدمج النهائي لنظام إدارة القتال وعمليات تسليم فرقيطتي «جازان» و«عنيزة» من قبل المشروع المشترك في المملكة العربية السعودية.
قال والدوين إنه على الرغم من عدم وجود قطاع بناء السفن، فإن عقد خفر السواحل السعودي الذي وقّعه العام 2018 مع شركة بناء السفن الفرنسية CMN Group لشراء 39 زورق دورية اعتراضياً من طراز HSI32 الذي يتضمن تجميع 20 وحدة منه في المملكة العربية السعودية من قِبَل شركة «الزامل للخدمات البحرية» Zamil Offshore Services في حوضها بالدمام. وقد يُشير هذا إلى الخطوات الأولى في تطوير بعض الأشكال الأولية من القدرات الصناعية المحلية.
الدولة الثالثة في مجلس التعاون الخليجي التي تشهد تعزيزاً بحرياً هي الإمارات العربية المتحدة، التي تستحوذ على مقاتلات سطحية جديدة وسفينة برمائية التي استخدمت، بحسب ما قال والدوين، «لتعزيز العمليات في اليمن إضافة إلى القواعد الإماراتية في أفريقيا كحليف وثيق للمملكة العربية السعودية. كما أنها الدولة الوحيدة التي تقوم بتطوير قاعدتها الصناعية البحرية الإماراتية من خلال شركة «أبو ظبي لبناء السفن» (ADSB). وشيّدت الشركة ست فرقيطات من فئة «بينونة» للبحرية الإماراتية تم تسليمها في أوائل العام 2010 على الرغم من أنها لا تزال بحاجة إلى حيازة أنظمة رئيسية وأنظمة فرعية وأسلحة من وراء البحار. في أيار/ مايو 2021، أعلنت شركة ADSB أنها أبرمت عقداً بقيمة 952 مليون دولار مع الإمارات العربية المتحدة لبناء أربع زوارق دورية لأعالي البحار OPV فئة «فلج 3 » Falaj 3 للبحرية الإماراتية. يستند تصميم Falaj 3 إلى تصميم زورق الدورية من فئة «فيرلس» Fearless الذي يشيّده حوض بناء السفن السنغافوري ST Engineering. في تشرين الثاني/ نوفمبر 2021، فازت شركة ST Engineering بعقد من الباطن من شركة ADSB لتوفير التصميم ومعدات المنصات والمساعدة الفنية للبرنامج.
وفي وقت سابق من شباط/ فبراير 2021، أكملت شركة بناء السفن الإماراتية، «مجموعة الفتان» Al Fattan Group، تسليم السفينة اللوجستية «السعديات» (L72) التي دخلت الخدمة في البحرية الإماراتية. وعلى الرغم من أنها تستند إلى سفينة إنزال، إلا أنها ستوفر للبحرية الإماراتية القدرة على إجراء عمليات استكشافية لدعم طموحات الإمارات الخارجية.
وفي كانون الأول/ ديسمبر 2021، أطلقت شركة بناء السفن الفرنسية Naval Group سفينة «بني ياس» Baniyas، وهي الأولى من بين زوج من الفرقيطات فئة Gowind 2500 الجديدة للبحرية الإماراتية. يفترض أنه تم إطلاق السفينة الثانية في العام 2022، وتم تشغيل هاتين الفرقيطتين في غضون ستة أشهر من ذلك الوقت. قد تم توقيع عقد الفرقيطتين في العام 2019.
وفي أماكن أخرى من دول مجلس التعاون الخليجي، كان هناك القليل من التطوير البحري في السنوات الأخيرة. أكملت البحرية الملكية العُمانية جهود إعادة تمويل أسطولها مع شراء ثلاث فرقيطات فئة «خريف» Khareef من شركة «بِ إيه إي سيستمز» BAE Systems وأربع سفن دورية فئة «الأفق» Al Ofouq من شركة ST Engineering في العام 2010، وخفضت ميزانيتها للمصارفات الدفاعية في العام 2021. وقال والدوين إن البحرين والكويت لديهما قوات بحرية صغيرة شهدت «تحديثاً محدوداً في الآونة الأخيرة» التي «أعطيت الأولوية للخدمات الأخرى». استضافت البحرين الأسطول الخامس الأميركي في المنامة، ما منح الدولة الجزيرة قدراً معيناً من الأمن البحري الذي لم تكن لتمتلكه لولا ذلك. وقد انسحب هذا الأسطول من المنامة فيما بعد إلى المحيط الهندي لتجنب مخاطر الصواريخ المضادة لحاملات الطائرات التي تم تطويرها مؤخراً من قبل الاتحاد الروسي.
ومع ذلك، قامت القوات البحرية البحرينية بإدخال سفينة «الزبارة» الخدمة، وهي سفينة دورية سابقة فئة «ريفر» River تابعة للبحرية الملكية البريطانية، في شباط/ فبراير 2021 إلى جانب زورقي دورية سريعين بطول 35 متراً من شركة بناء السفن «سويفت شيبس» Swift Ships الأميركية وخمسة زوارق دورية من طراز MkV خدمت سابقاً في البحرية الأميركية.
بالنظر إلى المستقبل، من المرجح أن تستمر دول مجلس التعاون الخليجي في الحصول على غالبية منصاتها البحرية وأنظمتها من الولايات المتحدة وأوروبا، وستقوم هذه الشركات بتأمين حصة الأسد من العقود المغرية. وصرح والدوين بأنه كانت هناك بعض المبيعات المتواضعة لدول مجلس التعاون الخليجي من خارج شبكة مورديها الأميركيين والأوروبيين التقليدية، ولكن هذه المبيعات كانت تستند إلى العلاقات السياسية بدلاً من الفوز في المنافسات المفتوحة. «قد تقوم دول الخليج بتنويع مورديها، لكنها ستواصل استيراد السفن البحرية المعقدة في المستقبل القريب».
وأضاف أن الجهود المبذولة لتنمية صناعة الدفاع المحلية، «لا سيما في المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، من خلال برامج المبادلة والمشاريع المشتركة، من المرجح أن تشهد بعض النمو في بناء السفن، أو تصنيع الأنظمة الفرعية، بحلول نهاية العقد الحالي».^
تيم فيش