Slideshows

تكامُل الدفاع والأمن: تكافلٌ لا فِصام فيه

Translator

تتلاقى سياساتُ الدفاع والأمن من مجالَيْن منفصلَيْن إلى استراتيجيةٍ متكاملة. فالحدود التقليدية بين السياسة الدفاعية والأخرى الأمنية قد شهدت تحوُّلاً جذرياً منذ بداية القرن الحادي والعشرين. وفي حين كان الدفاع يوماً يركّز في الأساس على التهديدات العسكرية الخارجية، بينما يهتم الأمن بإنفاذ القانون داخلياً وتأمين الحماية المدنيّة، تتطلّب الحوكمة المعاصرة مقاربة متكاملة تجمع هذَيْن المجالَيْن بصفتهما عنصرَيْن غير منفصلَيْن من استراتيجيةٍ وطنية. ويعكس هذا التلاقي والتكامُل تطوُّرَ التهديدات بحدّ ذاتها - من حربٍ تقليدية بين الدول إلى تحدّياتٍ هجينة تتلاشى فيها الخطوط الفاصلة بين العدوان الخارجي واضطرابات مكامن الضعف الداخلي. ويتناول تيم ماهون (Tim Mahon) حيثيات هذا التلاقي الدفاعي-الأمني في مقالٍ نشرته مجلّة «المراجعة الدفاعية الأوروبية» .

من الناحية التاريخية، يتولّى وزراء الدفاع إدارة القدرات العسكرية المصمّمة لردع الخصوم الخارجيين أو إلحاق الهزيمة بهم، بينما تُركّز الوكالات الأمنية على الاستقرار المحلي، وإحقاق العدل الجنائي وإرساء الحماية الأهليّة. وقد أبلت هذه المقاربة المنطوية على تقسيمٍ أو انفصالٍ للمجالَيْن بلاءً حسناً خلال فترة «الحرب الباردة»، حينما كانت التهديدات محدّدة ومحصورة جغرافياً بشكلٍ أوضح. ومع ذلك، كان من شأن ظهور الإرهاب العابر للدول، والحرب السيبرانية، والذكاء الصناعي، والهجرة المحفّزة بتبدُّل المناخ، والتراجع الاقتصادي والحرب الهجينة أن جعلت هذا الانفصال ليس فقط ممّا عفا عليه الزمن بل ربما مما يُشكِّل خطراً.

وتتطلّب بيئة الأمن حالياً أن تتخذ الحكومات رؤيةً شاملة إزاء التهديدات التي تُمثّل في آنٍ تحدّياً للأسس العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية للقوة الوطنية. وممّا يُشكّل مثالاً على هذا الواقع هو جائحة «كوفيد-19» (Covid-19)، التي أظهرت كيف يمكن لأزمة صحيّة عامّة أن تُشكّل في الوقت ذاته حالة طارئة للأمن القومي تتطلّب لوجستيات عسكرية، وتدخُّلاً اقتصادياً وتنسيقاً من ناحية الدفاع المدني. وهذا «الباراديم» أو الواقع الجديد قد أجبر الدول في أنحاء العالم على إعادة النظر في سبل تنظيمها وتمويلها ونشرها للقدرات الدفاعية والأمنية.

الفصل التاريخي: الدفاع مقابل الأمن

انبثق التمييز بين السياسات الدفاعية والأمنية من «نظام ويستفاليان» للسيادة الوطنية [وهو مبدأ قانون دولي يقضي بأنّ لكلّ دولة سيادة على أراضيها وشؤونها الداخلية ووجوب إقصاء تأثير القوى الخارجية بما أرسى أساساً لنظامٍ دولي حديث للدول] (Westphalian state system)، حيثما حافظت فيه الدول ذات السيادة على حدود واضحة بين شؤونها الخارجية والداخلية. وانطوت السياسة الدفاعية تقليدياً على استراتيجية عسكرية، وهيكلية قوى دفاعية، ومشتريات أسلحة، وعلاقات تحالف واستراتيجيات ردعية هدفت إلى حماية الأراضي القومية من تهديدات عسكرية خارجية. وفي المقابل، ركّزت السياسة الدفاعية على الحفاظ على النظام أو الأمن الداخلي من خلال إنفاذ القانون، وخدمات الاستخبار، وإدارة الطوارئ وإجراءات الحماية المدنية الأهلية.

وفُرِضَ هذا الانفصال مؤسّساتياً من خلال دوائر حكومية متباينة الصفة والمهام، ومخصصات ميزانية وأُطر قانونية منفصلة. ففي الولايات المتحدة على سبيل المثال، تتولّى «وزارة الدفاع» التعامل مع التهديدات الخارجية بينما تهتم «وزارة الأمن الوطني» (تأسست فقط في العام 2002) بمسائل الأمن الداخلي. وعلى نحو مماثل، اعتمدت الدول الأوروبية وزارات دفاع ووزارات داخلية منفصلة مع مسؤولياتٍ محددة بوضوح.

وشكّلت فترة «الحرب الباردة» أوضح مثال على هذا الانقسام، مع تركيز حلف شمال الأطلسي «الناتو» (NATO) على دفاعٍ جماعي بمواجهة عدوانٍ عسكري سوفياتي، بينما تمكّنت كل دولة على حدة من تولّي أمنها المحلي من خلال قوات شرطة وطنية وأسلاك استخباراتية. أما بيئة التهديدات فكانت سهلة التوقّع نسبياً: ردع نووي، وتخطيط عسكري تقليدي وإجراءات أمن داخلي في دوائر أو مجالاتٍ منفصلة بشكل كبير مع حدٍّ أدنى من التداخل.

لكن حتى في خلال تلك الفترة، دلّلت بعض الأحداث على محدودية تلك المقاربة المتّبعة. فأزمة الصواريخ الكوبية في العام 1962 أثبتت كيف يمكن للأمن الداخلي والدفاع الخارجي أن يتلاقيا خلال أزماتٍ حادّة. فقد تطلّب الاستعداد المحلي لوقوع هجومٍ نووي إجراءات دفاع مدني تجسر الحدود التقليدية ما بين الوزارات. ومع ذلك، تبقى تلك الأحداث بمثابة ظروف استثنائية، أكثر منها سمات شاملة للبيئة الأمنية.

ولربما تجدر الإشارة إلى أنه قبل تغيُّر هذا الوضع، كان هناك عدد قليل جداً من الدول التي أدركت أهمية وضرورة الدمج ما بين السياستَيْن أو البيئتَيْن الدفاعية والأمنية. ففي أوروبا، وحدها الدول الحيادية آنذاك هي التي قامت بذلك - وعلى الأخص السويد وسويسرا، ولو أنّ الأولى قد انضمّت لاحقاً إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو» (NATO)، بينما الأخيرة، وهي ملتزمة بـ «شراكة السلام» الأطلسية، حافظت على حياديّتها الصارمة حتى ولو كانت تحتضن أحد الشعوب الأكثر تسلُّحاً في القارّة.

يقوم أفراد من الحرس الوطني لولاية جورجيا بدوريات في محطة مترو أناكوستيا في واشنطن العاصمة
تحوُّل مشهدية التهديد

بدت نهاية «الحرب الباردة» وكأنها تُبرِّر هذا الانفصال التقليدي، مع تراجع التهديد العسكري الخارجي وتحوُّل الاهتمام إلى التحدّيات الداخلية، على غرار الجريمة المنظّمة والإرهاب. ومع ذلك، شهدت تسعينيات القرن الماضي انبثاق فئات تهديد جديدة تفرض في نهاية المطاف إعادة تحديد مفاهيم العلاقة بين الدفاع والأمن بحدّ ذاتهما.

وأثبتت شبكات الجريمة المنظّمة العابرة للدول كيف كان لتحدّيات الأمن الداخلي خيوطٌ خارجية تتطلّب استجابة ذات نمط عسكري. وقد بدّد ظهور الإرهاب الدولي، الذي بلغ ذروته في هجمات 11 أيلول/سبتمبر العام 2001، الافتراض بأنّ التهديدات الخارجية ستتبدّى أولاً عبر عدوان عسكري تقليدي. وبدلاً من ذلك، يمكن لفاعلين غير حكوميين أن يُنفِّذوا عنفاً مدمّراً عبر الحدود، باستخدام بنية تحتية مدنيّة واستغلال نقاط ضعف محلية.

وفي الوقت ذاته، استحدثت مستجدّات التقدُّم التكنولوجي مجالات جديدة للنزاعات تتخطّى الحدود التقليدية. فبإمكان الهجمات السيبرانية أن تستهدف في آن أنظمة قيادة عسكرية، وبنية تحتية مدنيّة حسّاسة وشبكات اقتصادية بما يقتضي استجابات تدمج معاً القدرات العسكرية وإجراءات الحماية المدنية. وعَنِيَ الترابط المتزايد بين الأنظمة العالمية أن اضطراباً في قطاعٍ واحد قد يترتّب عليه اضطرابات متتالية عبر قطاعاتٍ عديدة، وهذا ما يتطلّب استجاباتٍ منسّقة لا يمكن لوكالةٍ واحدة القيام بها.

وشكّل التغيُّر المناخي فئةً أخرى من التهديدات التي تخطّت التصنيف الفئوي التقليدي. فالتدهور البيئي قد يستحدث الآن دفقاً للاجئين ما يتطلّب تدخُّلاً عسكرياً لتقديم الإغاثة الإنسانية، كما أنّ هذا التدهور قد يخلّ باستقرار المناطق ما يستدعي انخراطاً دبلوماسياً، وكذلك يستنزف الموارد المحلية بما يقتضي استجاباتٍ إدارية طارئة. وتتطلّب تلك التحديات مقارباتٍ متكاملة تجمع معاً اللوجستيات العسكرية، والانخراط الدبلوماسي وإجراءات المناعة المحلية.

وبرزت الحرب الاقتصادية كتهديدٍ هجين، يجمع معاً عناصر من الحنكة السياسية التقليدية ونقاط ضعف حديثة العهد. ويمكن للدول أن تُحقِّق أهدافاً استراتيجية، من خلال الانكماش الاقتصادي، والتلاعب بسلسلة الإمداد واستغلال النظام المالي [لدى العدو]، من دون نشر قوة عسكرية تقليدية. أما الدفاع بمواجهة مثل تلك التهديدات فيتطلّب تنسيقاً بين المؤسسات الدفاعية، والهيئات الناظمة المالية والكيانات التجارية التي كانت في ما سبق تعمل كلٌّ على حِدَة بشكلٍ مستقل.

قوات الناتو «معاً أقوى» في حفل افتتاح مناورات «سيبر غارديان 23»
مقاربات متكاملة قيد التطبيق

يُشكّل نموذج «الأمن الوطني» في الولايات المتحدة المثال الأكثر وضوحاً حول التكامل ما بين الدفاع والأمن عقب هجمات 11 أيلول/سبتمبر. فقد جاء استحداث «وزارة الأمن الوطني» كدليلٍ على اعترافٍ جليّ بأنّ الحدود التقليدية بين الدفاع والأمن قد أصبحت غير مجدية بل ربما تأتي بنتائج عكسية. فالوزارة الجديدة أدمجت معاً وظائف كانت في ما سبق منفصلة، من بينها أمن الحدود، وإدارة الطوارئ، والأمن السيبراني (cybersecurity) وحماية البنى التحتية الحسّاسة.

فالدور الموسّع محلياً للجيش الأميركي على النطاق الوطني يُظهر هذا التقارب والالتحام. فمن خلال تأسيس «القيادة الشمالية الأميركية» US Northern Command (NORTHCOM) في العام 2002 أُحيلت مسؤولية واضحة للدفاع الوطني إلى القوات العسكرية، بما في ذلك أية عمليات محتملة محلياً داخل الوطن. وشكّل ذلك ابتعاداً بشكلٍ كبير عن العلاقات التقليدية ما بين الجناحَيْن المدني والعسكري، حيثما بقي الأمن الوطني في الأساس مسوؤلية مدنيّة.

ويتوسّع نطاق هذا التكامل إلى مشاركة الاستخبار، حيث يُسهِّل «المركز القومي لمكافحة الإرهاب» (National Counterterrorism Center) التنسيق بين وكالات الاستخبار العسكرية والمدنيّة. وتضم قوات المهام الخاصة المشتركة لمكافحة الإرهاب معاً عملاء من «مكتب التحقيق الفيدرالي» (FBI)، وكوادر عسكرية وهيئة إنفاذ القانون محلياً في شراكاتٍ عملانية وعملياتية مما كان يتعذّر تصوُّره خلال فترة «الحرب الباردة».

وبيّن إعصار «كاترينا» في العام 2005 الحاجة الملحّة لمثل هذا الاندماج والتكامل ومدى تعقيده. فدور الجيش في الاستجابة للكوارث تطلّب تنسيقاً مع وكالات فيدرالية وحكومية ومحلية عبر مختلف المجالات على نحو متزامن. أما الدروس المُستقاة من ذلك فقد تركت تأثيراً على الإصلاحات اللاحقة التي أدمجت أكثر فأكثر التخطيط الدفاعي والأمني للحالات الطارئة وطنياً.

وقد طوّر «الاتحاد الأوروبي» نموذجه الخاص من التكامل بين الدفاع والأمن من خلال ما اصطلح على تسميته «مقاربة شاملة» لإدارة الأزمات. ويقرّ هذا الإطار على نحو جلي بأنّ التحديات الأمنية المعاصرة تستدعي استجاباتٍ منسّقة تجمع معاً القدرات العسكرية والمدنيّة والتنموية.

وممّا شكّل مثالاً على هذه المقاربة، استجابة «الاتحاد الأوروبي» لأزمة الهجرة التي بدأت في العام 2015. ونُشِرَت منصات عسكرية لعمليات بحث وإنقاذ في البحر الأبيض المتوسط، بينما تولّت وكالات مدنيّة مهام الاهتمام باللاجئين. وضافرت عمليات أمن الحدود بين قدرات المراقبة العسكرية وأنظمة الرصد والمعالجة لإنفاذ القانون. واستدعت الأزمة انخراطاً دبلوماسياً متزامناً مع دول المنشأ، وعمليات عسكرية في مناطق الترانزيت وإجراءات أمن محلية في الدول التي استقبلت اللاجئين.

وعلى نحو مماثل، دمجت مقاربة «الاتحاد الأوروبي» للأمن السيبراني معاً قدرات دفاعية ومدنية. وعملت «القيادة السيبرانية الأوروبية» (European Cyber Command) إلى جانب وكالات أمن سيبراني مدنيّة لحماية الشبكات العسكرية والبنية التحتية المدنيّة الحسّاسة على حدٍّ سواء. أما التيقُّن من أنّ الهجمات السيبرانية ستستهدف في آن على الأغلب الأنظمة الحكومية والعسكرية والتجارية، فقد حتّم إرساء تعاون غير مسبوق بين تلك المجالات التي كانت منفصلة في السابق.

وكشفت مفاوضات «بريكست» (Brexit) بُعداً آخر لهذا التكامل، إذ اقتضى انسحاب المملكة المتحدة من الإطار الأمني لـ «الاتحاد الأوروبي» إعادة التفاوض على مشاركة الاستخبار، والتعاون الدفاعي وترتيبات التنسيق من ناحية إنفاذ القانون. وكشف تعقيد تفكيك عُرى هذه العلاقات [مع «الاتحاد الأوروبي»] كيف أصبحت المهام الدفاعية والأمنية متكاملة بشكلٍ كبير داخل النطاق الأوروبي.

وتُبيّن مقاربة الهند لأمن الحدود التكامل ما بين الدفاع والأمن استجابةً لبيئات تهديد معقّدة، بحيث تجمع معاً التحدّيات العسكرية التقليدية ومسائل الأمن العابرة للدول أو عبر الحدود الإقليمية. فالحدود المفعمة بالثغر بين باكستان والصين تقتضي جهوزية عسكرية لنزاعٍ تقليدي بينما يُصار في آن إلى مواجهة الإرهاب والتهريب والهجرة غير المشروعة.

أما استحداث أنظمة إدارة متكاملة للحدود فتجمع معاً المراقبة العسكرية مع إنفاذ القانون مدنيّاً بغية التصدّي لتهديدات تتجاوز الفئات التقليدية. وتعمل «قوات أمن الحدود» تحت قيادة عسكرية فيما تؤدّي وظائف ترتبط تقليدياً بالإنفاذ المدني للقانون، بما في ذلك عمليات ضبط الجمارك ومكافحة التهريب.

وتُظهر استجابة الهند للإرهاب العابر للحدود هذا التكامل، حيث تُنفّذ القوات الخاصة العسكرية عمليات تدمج المهام الدفاعية التقليدية مع أهداف إنفاذ القانون. فعلى سبيل المثال، تُمثِّل الضربات الاجتثاثية في العام 2016 ضدّ معسكرات للإرهابيين في باكستان عملاً عسكرياً نُفِّذَ استجابةً لما كان يُعتَبر تقليدياً تحدّيات للأمن الداخلي.

ويُبيّن «خط التحكّم الفعلي» المتنازَع عليه مع الصين كيف تستدعي النزاعات الإقليمية حالياً ردود فعلٍ متكاملة، إذ تجمع معاً الردع العسكري وتطوير البنية التحتية المدنيّة والتنسيق الاقتصادي. ويخدم إنشاء الطرق عند الحدود أغراض اللوجستيات العسكرية والتنمية المدنيّة على حدٍّ سواء، بينما يُسهِم في فرض السيادة الإقليمية (أو بسط النفوذ الإقليمي) من خلال التخطيط المتكامل.

أدت النزاعات الحدودية في تشرين الأول/ أكتوبر 1961 إلى مواجهة «نقطة تفتيش تشارلي» (Checkpoint Charlie Standoff) في برلين، وهي واحدة من أخطر لحظات الحرب الباردة التي كادت أن تشعل حرباً عالمية ثالثة مدمرة (ونووية)، وظل العالم على شفا حرب لمدة 16 ساعة، بينما كانت الدبابات السوفيتية والأميركية متقابلة على بُعد 100 متر فقط
حوافز التكامل

ثمة عوامل عديدة حفّزت التلاقي بين السياسات الدفاعية والأمنية عبر مختلف السياقات الوطنية. فقد استحدثت مستجدّات التطوُّر التكنولوجي مجالات نزاع جديدة تتجاوز الحدود التقليدية، بينما ضاعفت العولمة الترابط والتداخل بين الأنظمة التي كانت تُعتبر منفصلة في السابق.

وقد بدّلت ثورة المعلومات جذرياً من طبيعة النزاع، حيث تستهدف الحرب المعلوماتية أنظمة القيادة العسكرية وبيئات المعلومات المدنيّة على حدٍّ سواء وفي الآن معاً. وتخدم منصّات التواصل الاجتماعي كميدانٍ لعمليات ذات تأثيرٍ كبير تطال المعنويات العسكرية والاستقرار السياسي المدني على حدٍّ سواء، بما يقتضي استجاباتٍ متكاملة تجمع معاً العمليات المعلوماتية العسكرية وجهود مكافحة تضليل وتشويش المعلومات المدنيّة.

تحديات وتعقيدات

يستحدث التكامل بين سياسات الدفاع والأمن تحديات كبيرة للحوكمة الديموقراطية وللعلاقات ما بين القطاعَيْن المدني والعسكري. فقد خدم الانفصال التقليدي بينهما أغراضاً مهمّة في الحفاظ على تحكُّم مدني بالقوات العسكرية ومنع عسكرة السياسة الوطنية المحلية. لكنّ مخاطر التكامل يُبدِّد الحدود الفاصلة بطرقٍ ربما تُقوِّض المبادئ الديموقراطية.

وربما يتبيّن أنّ الأطر القانونية التي جرى تطويرها بشأن الانفصال التقليدي بين الدفاع والأمن غير وافية لمقاربات التكامل بينهما. فالأحكام الدستورية التي تحدّ من الانخراط العسكري في الشؤون الداخلية المحلية قد تتعارض مع المتطلّبات العملانية لاستجاباتٍ منسّقة تجاه تهديداتٍ هجينة. فآليات التشريع الهادفة المصمّمة لدوائر منفصلة في هذا الشأن قد تجد صعوبة لتوفير الحوكمة الفعّالة لعملياتٍ متكاملة. فتوزيع الموارد يصبح أكثر تعقيداً عند إدماج أو تكامل وظائف الدفاع والأمن. فمسارات وضع الميزانيات التقليدية تفترض وجود حدود واضحة تفصل ما بين النفقات العسكرية والأخرى المدنيّة، لكنّ مقاربات الإدماج والتكامل قد تتطلّب آليات تمويل مرنة يمكن أن تتكيّف مع متطلّبات التهديدات الناشئة عبر مجالاتٍ عديدة.

الحرب الهجينة التي تجمع بين التكتيكات التقليدية وغير التقليدية
مصير التلاقي بين الدفاع والأمن

يبدو التلاقي أو التكامل بين سياسات الدفاع والأمن مما هو لا رجعة فيه، إذا ما أخذنا في الاعتبار طبيعة التهديدات المعاصرة. لكنّ التكامل الناجح يتطلّب اهتماماً شديداً بالحوكمة الديموقراطية، والأطر القانونية والخطط المؤسّساتية، بغية منع أي تداعيات سلبية فيما يُصار إلى تعظيم الكفاية والفعالية.

ويتعيّن على الحكومات أن تُطوِّر مساراتٍ متكاملة لتقييم التهديدات تأخذ في الاعتبار الطيف الكامل من التحديات عبر الحدود التقليدية. ويتطلّب ذلك أطراً تحليلية جديدة تُقيِّم التهديدات بصورةٍ شاملة بدلاً من تحليلها من وجهتَيْ نظرٍ منفصلتَيْن لقطاعَيْ الدفاع العسكري والأمن الوطني. ومن شأن الاستثمار في التدريب المتبادل وبرامج التثقيف والتوعية المشتركة أن تساعد على تطوير قادةٍ قادرين على العمل بفعالية في بيئتَيْن متكاملتَيْن.

ويتعيّن تحديد الأطر القانونية لتوفير صلاحياتٍ واضحة لتنفيذ عمليات، دفاعية أمنية، متكاملة مع الحفاظ على ضوابط مناسبة وآليات إشراف. ولعلّ ذلك يتطلّب تعديلاتٍ دستورية أو أطرٍ تشريعية جديدة تتعامل بوضوح مع التهديدات الهجينة والاستجابات المتكاملة، مع الحفاظ على مبادئ الحوكمة الديموقراطية.

خاتمة

يُمثِّل التكامل بين سياسات الدفاع والأمن تحوُّلاً أو نقلةً جذريّة في سُبل تنظيم الدول لقدراتها الحمائية. ويعكس هذا التلاقي والاندماج واقعَ أنّ التهديدات المعاصرة لا يمكن التعامل معها بفعالية عبر الفصل التقليدي بين الوظائف الأمنية العسكرية والأخرى المدنيّة. فمن النموذج الأميركي في الأمن الوطني، وصولاً إلى مقاربة الهند في حفظ الأمن العابر للحدود، تعكف الدول في أنحاء العالم على تطوير أطرٍ تكاملية تجمع معاً القدرات التي كانت منفصلة في ما مضى، ما بين الدفاع والأمن.

ومع ذلك، ينبغي إدارة هذا التكامُل بحرص شديد بغية المحافظة على الحوكمة الديموقراطية مع تعزيز الفعالية الأمنية. ويكمن التحدّي في تطوير تراتبياتٍ مؤسّساتية يمكن أن تستجيب بكفايةٍ للتهديدات الهجينة فيما تحافظ على تحكُّمٍ مدني وافٍ وضوابط قانونية. وسيتطلّب النجاح تفكيراً جديداً حول الحوكمة، والتعاون الدولي، والعلاقات ما بين المدني والآخر العسكري، تلك التي تتعدّى الأطر التقليدية.

وقد سرّعت جائحة «كوفيد-19» مسار هذا التكامل حيث تبيّن كيف يمكن للتهديدات الحديثة أن تؤثّر في جميع نواحي الحياة على صعيد الوطن، وفي الوقت ذاته. ومع تعافي الدول وتكيّفها مع وقائع ما بعد الجائحة، فإن الدروس المُستقاة حول الاستجابة المتكافلة والمتكاملة بمواجهة الأزمات ستؤثّر على الأرجح في التطوّر المتواصل للتلاقي والاندماج بين الدفاع والأمن.

وستُشكِّل بيئةُ الأمن المستقبلية على الأرجح تحدياتٍ أكثر تعقيداً إنّما تتحدّى ذلك التصنيف التقليدي لفئتَي الأمن والدفاع. فمن شأن التغيُّر المناخي، ومستجدّات التقدُّم التكنولوجي، والمنافسة الجيوسياسية المتطوّرة أن تستحدث تهديداتٍ إنما تتطلّب تكامُلاً لا ينفكّ يزداد تعقيداً بين القدرات الدفاعية والأخرى الأمنيّة.

أمّا الدول التي بإمكانها أن تُدير بنجاح مثل هذا التكامُل مع الحفاظ على القِيَم الديموقراطية، فستكون في أفضل موقعٍ للنجاح في عالمٍ لا ينفكّ يزداد تعقيداً وترابطاً وتداخلاً. إنها مسألةٌ عالمية، ولا استثناءَ جغرافياً أو أمنياً أو سياسياً أو عسكرياً لها.

أثبتت حوادث مثل انصهار المفاعل في فوكوشيما - اليابان العام 2011، وما تبعه من تسونامي، ضرورة اتباع نهج حكومي شامل لإدارة الأزمات، وهو درس استخلصته العديد من الحكومات الوطنية التي راقبت الوضع في اليابان آنذاك
Date
Issue Months
Year
2026
Page No
14

Featured News