Slideshows

الذكاء الاصطناعي: التطورات الحالية والمستقبلية

بلغت الصناعات الدفاعية «منعطفاً استراتيجياً» تجاوز فيه الذكاء الاصطناعي كونه مجرد طبقة برمجية مساندة، ليصبح الركيزة البنيوية للأمن القومي الحديث. لقد انتقل التركيز العملاني من «الأتمتة المبرمجة مسبقاً» (Pre-programmed Automation) —التي تلتزم بمسارات تنفيذية جامدة— إلى عصر ‘الحرب الوكيلة’ (Agentic Warfare)؛ حيث تضطلع الأنظمة بقدرات الاستقلال الذاتي التكتيكي لتنفيذ مهام معقدة في بيئات ديناميكية عبر المجالات الخمسة: البر، والبحر، والجو، والفضاء، وصولاً إلى الفضاء السيبراني، محققةً بذلك تفوقاً حاسماً في سرعة اتخاذ القرار (Decision Advantage) وإعادة صياغة مفاهيم الردع التقليدي».

الواقع الحالي: مشهد اللعبة (2026)

اعتباراً من شباط/ فبراير 2026، قُدرت قيمة سوق الذكاء الصناعي العالمي في مجال الدفاع بنحو 16 مليار دولار، بمعدل نمو سنوي قدره %12.8. وتتحدد الصناعة حالياً من خلال ثلاث حقائق عملانية:

الانتقال نحو المنصات المعززة بالذكاء الأصيل (AI-Native): لم يعد التطوير العسكري المعاصر يرتكز على «عصرنة المنصات التقليدية» أو الاكتفاء بدمج تحديثات رقمية للأنظمة المتقادمة؛ بل اتجهت كبرى الشركات العالمية الرائدة مثل «لوكهيد مارتن» Lockheed Martin، «راينمتال» Rheinmetall، و«أندوريل» Anduril نحو تبني هندسة الذكاء الصناعي من مرحلة التصميم الصفرية. أفرز هذا التحول الجذري جيلاً من المنظومات السيادية المستقلة المصممة بنيوياً للاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي، ما يضمن انتزاع أسبقية القرار (Decision Advantage) وإعادة صياغة مرتكزات الردع الاستراتيجي في مسارح العمليات الحديثة.

الاستخبارات المتعددة المدمجة: كيف يعيد مشروع Maven صياغة الاستهداف التكتيكي؟: انتقل مشروع (Project Maven) من مرحلة «خوارزميات الرؤية» إلى كونه منصة ذكاء اصطناعي سيادية لإدارة مسرح العمليات. يعتمد النظام في نسخته المطورة على دمج المدخلات الاستخباراتية المتعددة (Multi-INT)، حيث يتم ربط إشارات الاستخبارات الإلكترونية (SIGINT) بالبيانات الجيومكانية والمصادر المفتوحة أو المكشوفة. تهدف هذه المنظومة إلى توفير قدرات «الإنذار المبكر الذكي»، ما يسمح بتقديم نماذج محاكاة تنبؤية لاحتمالات الاشتباك، ويحول البيانات الخام إلى أهداف تكتيكية قابلة للتنفيذ بدقة متناهية وفي الوقت الحقيقي».

الاستقلالية التكتيكية، تحول جذري في إدارة العمليات المنفصلة: في إطار المواجهة الاستراتيجية مع تقنيات الحرب الإلكترونية والتشويش المعادي، انتقل ثقل المعالجة الرقمية والذكاء الاصطناعي من مراكز القيادة المركزية إلى المنصات الميدانية المستقلة. وبفضل دمج المعالجات الرسومية المتقدمة (Embedded GPUs)  مباشرة على متن المسيرات والعربات القتالية، باتت هذه المنظومات تمتلك قدرات معالجة ذاتية تتيح لها تنفيذ المهام المعقدة في بيئات «حجب نظام تحديد الموقع العالمي» (GPS-Denied). يضمن هذا التحول سيادة العمليات واستمراريتها حتى في حالات العزل الإلكتروني الكامل، حيث تتحول كل منصة إلى وحدة قتالية ذكية قادرة على اتخاذ القرار التكتيكي وتنفيذ المهمة دون الحاجة لروابط اتصال مستمرة، ما يحيد فعالية سلاح التشويش المعادي ويمنح القوات تفوقاً ميدانياً حاسماً».

الذكاء الصناعي والخدمات اللوجستية: ركيزة الاستدامة في حروب الاستنزاف

يمثل الذكاء الاصطناعي العمود الفقري لمنظومات الإمداد الحديثة، حيث يلعب دوراً حاسماً في تعزيز الجهوزية التنبؤية؛ إذ بلغت دقة خوارزميات التنبؤ بالأعطال مستويات قياسية تصل إلى %98. أتاح هذا التفوق التقني تطبيق استراتيجية «الاستبدال الاستباقي» قبل وقوع العطل بـ 48 ساعة، وهي ممارسة أثبتت فاعليتها القصوى في مسارح العمليات المعقدة في أوروبا والشرق الأوسط.

وفي موازاة ذلك، أحدث التصنيع الميداني (Expeditionary Manufacturing) ثورة في مفهوم الدعم اللوجستي للخطوط الأمامية؛ حيث مكنت الطباعة ثلاثية الأبعاد الموجهة بالذكاء الصناعي من إنتاج قطع الغيار الحيوية «عند الطلب» في الخطوط الأمامية. وقد أدى هذا التكامل بين التنبؤ والتصنيع الموضعي إلى تقليص البصمة اللوجستية لسلاسل الإمداد بنسبة %40، ما يخفض من مخاطر استهداف خطوط الإمداد الطويلة ويعزز من سرعة استجابة القوات في الميدان».

آفاق التكنولوجيات الدفاعية (2027–2030): من الاستقلالية الفردية إلى الذكاء الجماعي

تشير خارطة الطريق التقنية للأعوام الأربعة المقبلة إلى تحول جذري في توظيف الذكاء الاصطناعي، حيث ينتقل التركيز من الوحدات المستقلة المعزولة إلى منظومات «الخلايا الجماعية» المتكاملة. وفيما يلي أبرز هذه المسارات:

دخلت Rheinmetall و Boeing أستراليا في شراكة استراتيجية لتقديم طائرة MQ-28 الشبحية كحلٍّ متكامل للجيش الألماني ضمن برنامج شراء طائرات القتال التعاونية (CCA) بحلول العام 2029.

عقيدة «أسراب التكرار» (Replicator): بحلول العام 2028، يتجه قطاع الصناعات الدفاعية نحو الإنتاج الكمي لمنصات غير آهلة منخفضة الكلفة، تعتمد برمجياً على «الذكاء الجمعي» الموزع. تكمن القوة العملانية لهذه الأسراب في قدرتها على إعادة توزيع المهام ذاتياً وبشكل فوري في حال فقدان أي وحدة ضمن السرب، ما يضمن استمرارية العمليات من دون الحاجة لتدخل بشري مباشر.

- الحرب الإلكترونية المعرفية (Cognitive EW): يمثل الذكاء الاصطناعي حجر الزاوية في الجيل التالي من أنظمة الحرب الإلكترونية. فبدلاً من الاعتماد على إجراءات مضادة مبرمجة مسبقاً، ستتمكن الأنظمة المعرفية من تحليل البصمات الرادارية والترددات الراديوية المعادية في الوقت الحقيقي، وخلق موجات تشويش مخصصة وفورية، ما ينهي عملياً فعالية الأنظمة الدفاعية التقليدية ذات الاستجابة الثابتة.

- الدمج بين الحوسبة الكمية والذكاء الصناعي (Quantum-AI): يتسارع السباق التقني نحو العام 2030 لتحقيق «الأمن الكمي» للذكاء الصناعي. يركز هذا المسار على تطوير نماذج عسكرية قادرة على الصمود أمام محاولات «تسميم البيانات» ومعالجة التهديدات السيبرانية الناتجة عن الحوسبة الكمية، بما يضمن حماية التشفير العسكري وتفوق القدرات الحسابية في بيئات الصراع المعقدة.

التعاون البشري-الآلي (MUM-T) والضوابط الأخلاقية

«بالتوازي مع هذا التصاعد في القدرات الذاتية، تبرز عقيدة التعاون البشري-الآلي (Manned-Unmanned Teaming - MUM-T)  كضرورة عملانية؛ حيث ينتقل دور العنصر البشري من «المشغل المباشر» إلى «مدير المهمة» الذي يتخذ القرارات الاستراتيجية العليا. وضماناً للامتثال للقانون الدولي الإنساني في عصر «الحرب الوكيلة» ، تتبنى الصناعات الدفاعية حالياً بروتوكولات «الإشراف البشري الفعال»، التي تضمن وجود إنسان في حلقة (Human-on-the-loop) لمراقبة الأسلحة الفتاكة المستقلة، ما يعزز موثوقية هذه الأنظمة في مواجهة سيناريوهات الاشتباك المعقدة»،

التوازن بين الاستقلالية والمسؤولية

في الختام، ومع انتقال التركيز العملاني نحو «الحرب الوكيلة» وظهور أجيال من المنظومات «الأصيلة بالذكاء الاصطناعي» (AI-Native) ، تبرز ضرورة موازنة هذا التفوق التقني بإطار أخلاقي صارم. إن استثمار قدرات الذكاء الاصطناعي في تحقيق أسبقية القرار (Decision Advantage) يجب أن يقترن بكفاءة التناغم بين العقل البشري والأنظمة السيادية المستقلة، فهذا الدمج هو ما سيحدد ملامح الردع الاستراتيجي في العقد المقبل.

Section
Date
Issue Months
Year
2026
Page No
3

Featured News