المعلومات الحقيقية حول الأهداف تعزز حلقة «مستشعر-رامي»
تعتمد قوى الجيوش الغربية على أسلحة متطوّرة ودقيقة لردع وصدّ الخصوم اللامتماثلين وشبه الأنداد. ومن أجل أن تكون تلك الأسلحة فعالة، تُزوّد بمعلومات دقيقة تتعلّق بأهدافها، مثل الموقع والحالة.
عندما يتعلق الأمر بأهداف حسّاسة من ناحية الوقت، يتعين أن يتم تزويد تلك بمعلومات على نحو سريع، وإلّا فإن الهدف سيُغيّر موقعه. وتضطلع الدورة المعرّفة بمصطلح «من المستشعر إلى الرامي» Sensor to Shooter (STS) بعملية تنفيذ هجوم. وهي تتصل بمنصات «الاستخبار والمراقبة وحيازة الهدف والاستطلاع»، ومعالجة المعلومات، وصنع القرار، وأنظمة الأسلحة المنخرطة في الاشتباك. أما القدرة على التقدم سريعاً عبر المراحل المختلفة لهذه العملية فهي في غاية الأهمية بالنسبة إلى الجيوش المعاصرة، على المستويين التكتيكي والاستراتيجي.
هناك مفردات عديدة لدورة «من المستشعر إلى الرامي» (STS)، وأبرزها هي «سلسلة الفتك» (Kill Chain)، التي تُعرِّف العملية بدءاً من ظهور الهدف، ومروراً بالتخطيط وإجازة الاشتباك، وصولاً إلى الاشتباك مع الهدف. ومن الناحية التقليدية، تعكف «سلسلة الفتك» على مجموعة خطية من الإجراءات ترتبط بالعناصر الفردية المنخرطة في العملية. ومع ذلك، فإنّ الحفاظ على «سلاسل فتك» المتخصّصة بكل هدف لا تلائم دائماً المطالب الملحّة أو تستفيد من الفرص العاجلة. وقد سعت الجيوش المعاصرة إلى تسريع هذه العملية من خلال مشاركة «البيانات الانسيابية» (streamlined data)، ووصلات البيانات الأسرع، والإجراءات المؤتمتة، والمهام الموازية، ما ينتج عنه «شبكة فتك» (kill web) مع هدف أقصى هو التمكن من توجيه ضربات في غضون ثوانٍ بدلاً من دقائق أو ساعات.
وفي الاعتماد عسكرياً على التأثيرات الدقيقة، تُعتبر المستشعرات عنصراً حاسماً كمثل الأسلحة المؤثّرة. وغالباً ما يُسهم تحسين المستشعرات في مضاعفة توجيه الضربة بصورة كافية أكثر من تحديث الأسلحة، إذ إن تحسين المستشعرات ومعالجة المعلومات يوفر فرص اشتباك أكثر ويزيد من احتمال الاشتباكات الناجحة. ومثل هذه التحسينات قد تشمل زيادة في عدد وأنواع المستشعرات التي تُغذِّي نظام «من المستشعر إلى الرامي» وتُوسِّع «عرض الحيّز» (bandwidth) لمضاعفة سرعة وعمق نقل المعلومات وجودتها. ومن شأن استحداث «شبكة مستشعرات» تتألف من العديد من المستشعرات المختلفة أن تدمج العديد من معلومات التغذية (feeds)، وتُحسّن احتمال رصد أهداف خفية وتوفر للرماة معلومات أكثر دقة.
وغالباً ما تشترك المستشعرات الحيّز ذاته مع سلاح، بما يستحدث أنظمة «من المستشعر إلى الرامي» متصلة بشكلٍ وثيق، لكن في سيناريوهات أخرى تُوزَّع المستشعرات، ونظام «القيادة والسيطرة» (C2)، والرماة في أكثر من موقع. وبينما تُنقل بيانات المستشعر عبر شبكات لاسلكية، يمكن للمحدوديات في الحيّز العريض، والهجمات الإلكترونية، والتداخل أن تُسبّب احتقاناً وتأخيراً في دفق المعلومات ومعالجتها. وتُعتبر الوصلات الساتلية على وجه الخصوص عرضة لتلك الاضطرابات. وتملك الشبكات «العُرويّة المُعشّقة المُتداخِلة العُقَد ذات الشبكات» (mesh networks) مرونة متأصلة للصمود في مثل هذه التحديات وغالباً ما تُستخدم في شبكات المستشعرات المعاصرة. وفي الحالات حيث تكون أنظمة الأسلحة قريبة نسبياً بعضها من بعض، يمكن لمثل هذه الشبكات أن توفر «سحابة تكتيكية» (tactical cloud) بما يسمح باتصالات محكمة بمواجهة التشويش.
وقد طرح مُصنّع المسيّرات «ايرو فايرونمانت» AeroVironment مثالاً عن نظام «من المستشعر إلى الرامي» STS متصل بشكل وثيق يشتمل على مسيّرة مراقبة PUMA 3 AE مقرونة مع «ذخيرة حوّامة أو متسكعة» (loitering munition) من نوع SWITCHBLADE 300 وباستطاعة المشغّل أن يستخدم طقم نظام SWITCHBLADE 300 STS Kit لمراقبة النظامين باستخدام شاشة العرض ذاتها، ما يسمح برؤية ما يبثّه مستشعر PUMA 3 AE قبل الهجوم وبعده، إلى جانب تغذية (feed) من كاميرا «الذخيرة المتسكعة» فيما هي تُطبِق على الهدف. وصُمّمت المستشعرات ووصلات البيانات في النظامين للتزامن مع الخريطة المُستعرضة على وحدة التحكم ذاتها. وتُبسّط هذه العملية وتُسرّع الردود ضد الأهداف التي تُصادف خلال مهام المراقبة. وقد وظّف طرفا النزاع الروسي-الأوكراني هذا التضافر بين المستشعرات وذخائر «العربات الجوية غير الآهلة» (UAV) لاصطياد المسيّرات.
تتسم عمليات الدفق الانسيابي للبيانات عبر مختلف مستويات التراتبية القيادية، والمجالات الدفاعية، وشركاء التحالف بتعقيدٍ أكبر بكثير. ومن بين الأمثلة على ذلك مهام إسكات نيران المدفعية، كما نرى في أوكرانيا. فالرمي المدفعي يتّبع تخطيطاً منظّماً ومفصّلاً وعمليات لتحديد اتجاه وموقع الرمي قبل أن تُطلق القذيفة الأولى. لكنّ القيام برمي مضاد ضد أهداف مدفعية للعدو ينبغي أن يكون أقصر وقتاً، إذ إن الهدف غالباً ما يكون سريع التحرك، خصوصاً إذا ما تمثّل في راجمات أو منصات إطلاق صواريخ متنقّلة ومدفعية ذاتية الحركة. وتعتمد مثل هذه المهام على مستشعرات عديدة مثل المستشعرات الصوتية، والرادارات، لرصد نيران العدو، واستخدام الكومبيوترات لاحتساب مسارات الرمي المُعادي وتقدير موقعه. وبالتالي يتعيّن تنفيذ هذه العملية سريعاً قبل أن يغادر العدو موقعه. وفي دورة «من المستشعر إلى الرامي» (STS) للرمي المضاد يُشغّل سلاح المدفعية، على مستوى «فرقة» أو «لواء»، المستشعرَ والرامي على حدٍّ سواء، فهذان الطرفان يتشاركان الشبكات، والإجراءات وأنساق الرسائل لكي يُعالجا المعلومات سريعاً ويُنفِّذا مهمة الرمي المضاد.
وعند الأمداء البعيدة جداً، يتطلّب الردّ على النيران المُعادية مزيداً من المستشعرات لتوفير تغطية كافية. فعلى سبيل المثال، يتطلّب الرد على صواريخ بالستية ذات أمداء تبلغ مئات الكيلومترات معلومات تهديف تستند إلى مستشعرات عند أرقى المستويات ومصادر استخبار قد لا تكون متوافرة للرماة. ويُخطّط الجيش الأميركي لإدماج سواتل اتصالات جديدة نُشِرت في «مدار منخفض للأرض» (LEO) يُدعى «طبقة الفضاء التكتيكية» (TSL)، فضلاً عن المحطة الأرضية «عقدة الاستهداف بالاستخبار التكتيكي» (TITAN) لدعم متطلبات لتقصير دورة «من المستشعر إلى الرامي» على الأمداء البعيدة.
وثمة منحى آخر يحظى بالاهتمام هو الاتصالية بين المستشعرات وأنظمة المعلومات، والتي قد تكون مطوّلة ومعقّدة. فعند العمل على المستوى التكتيكي، فإن مشاركة طبقة اتصالات وحيدة بين المستشعرات والرماة قد تُبسّط الاتصالية، بينما يمكن استخدام الأتمتة لخفض العبء الإدراكي على المشغّلين.
وعلى الرغم من أنّ تسريع دورة «من المستشعر إلى الرامي» STS يتطلّب تحسين العديد من العناصر فإن ذلك غالباً ما يتألف من محاولة الحد من التراتبيات وإزالة العوائق في العمليات القائمة. وثمة وسيلة أخرى لتسريع العملية تتمثّل في اتصالية «الآلة إلى آلة» (machine-to-machine)، وهو ما يمكن تحقيقه بسهولة على مستويات أدنى. لكنّ مثل هذه الحلول هي أكثر تحدياً في تطبيقها على مستويات أعلى، خصوصاً في عمليات التحالف المشتركة والمتعددة الدول، حيث تصبح الاتصالية بين أنظمة المعلومات المتنوعة ومعايير مشاركة البيانات ضرورية. وأحياناً، يمكن لوجود ضابطين معاً في غرفة واحدة أن يحل مسألة التأخير الطويل أكثر من الأتمتة. وتشمل الحلول الأخرى اعتماد مُترجمي معلومات لاتصالية انسيابية بين مختلف أنظمة الحوسبة. وما أن تصبح أنظمة المعلومات قادرة على التخاطب في ما بينها حتى يصير بالوسع اعتماد تحسينات إضافية مثل استخدام «تعلُّم الآلة» (machine learning) و«الذكاء الاصطناعي» (AI) لمعالجة أحجام كبيرة من البيانات.
يمكن للمستشعرات في «شبكة فتك» حديثة أن تُحمّل (upload) تغذيتها إلى سحابة حوسبية تكتيكية (tactical cloud)، تُشكّل شبكة يتشارك بها العديد من المستشعرات والمستخدمين بدلاً من وصل مستشعر معيّن بمستخدم محدد. ومن أجل الحدّ من متطلبات عرض النطاق للتحميل (uploading)، يمكن معالجة تغذيات المستشعرات مسبقاً بـ «الذكاء الاصطناعي» و«تعلُّم الآلة» لتنفيذ «تعرُّف أوتوماتيكي على الهدف» (ATR) والتنقيب عن البيانات. وثمة أولوية مطلقة لتحميل هذه التغذيات مع بياناتها الحساسة من ناحية الوقت، وكذلك التغذيات الأخرى التي قد تكون ذات فائدة لبعض المستخدمين. وبالوسع إجراء مزيد من المعالجات في السحابة الحوسبية، بما في ذلك إجراء القياسات، وتقييم الوضع المحيط، والترابط مع المستشعرات الأخرى، لتوليد معلومات إضافية قد تكون مطلوبة في عمليات صنع القرار.
أما نظام «القيادة والسيطرة المشتركة لجميع المجالات» (JADC2) الذي يُطوّر بمبادرة من «وزارة الدفاع الأميركية» هي ترجمة لمبدأ «شبكة الفتك»، وتهدف إلى مضاعفة التوافق التشغيلي وسرعة صنع القرار. وعلى الرغم من أن مثل هذه الشبكة واعدة نظرياً، فإن تطبيقها معقد، خصوصاً في المجال البرّي، ولا يمكن ضمان تشغيلها المتواصل في بيئة مكتظة. وبالتالي، ينبغي على المستخدمين الحفاظ على قدرة التعامل مع الأوضاع حيث لا يعمل جزء من نظام JADC2 أو يتباطأ أداؤه، ويتعيّن على القوات أن تعمل بنمط معزول.
وأجرى الجيش الأميركي اختبارات لبعض نواحي نظام JADC2 في التمارين السنوية المتعددة الأبعاد Project Convergence (PC) بوصل أنظمة وقدرات من الجيش، وسلاح الجو، والبحرية، وفيلق مشاة البحرية «المارينز»، وسلاح الفضاء. فعلى سبيل المثال، جمعت تمارين العام 2021 (PC 21) ، منصات عديدة لـ «الاستخبار والمراقبة والاستطلاع» (ISR) ومنصات أسلحة في الشبكة العُرويّة المُتداخِلة العُقَد اللاسلكية mesh networks و«شبكة الفتك» لدى الجيش الأميركي لرسم «صورة عملانية مشتركة مفصّلة» (COP) في الوقت الحقيقي. وقد اعتمد هذا المجهود على 110 تكنولوجيات ومفاهيم جديدة. وقد وظّف الجيش في هذه التمارين أول خوادم السحابة القتالية (combat cloud servers) الخمسة المقرّرة ضمن الإطار العملاني لـ «قوة المهام الخاصة المتعددة المجالات» (MDTF). وبمقدور كل سحابة قتالية معالجة نظام «من المستشعر إلى الرامي» كامل عبر وصلة ساتلية، ومن المقرر أن يُخصص خادم لكل من أُطر MDTF الخمسة لدى الجيش الأميركي. ومن المخطط له نشر قوة MDTF في كل من الولايات المتحدة الأميركية القارّية، وأوروبا، والمحيط الهادئ والقطب الشمالي، بينما سيُطلَق على قوة MDTF الخامسة صفة العالمية - وهي وحدة منقولة جواً جاهزة لنشر «شبكة فتك» في أي مكان من العالم في غضون 24 ساعة. و سيُشغّل كل خادم سحابة MDTF أربعة برامج «ذكاء صناعي» لأتمتة «شبكة الفتك»، وتُعرف هذه البرامج بتسميات RAINMAKER، و PROMETHEUS، و FIRESTORM و SHOT.
في خلال تمارين PC 21، تمكّن برنامج الذكاء الاصطناعي RAINMAKER من وصل 15 مستشعراً و 19 نظام أسلحة بسحابة حوسبية قتالية عبر وصلة ساتلية. وترجم برنامج RAINMAKER بيانات من مصادر مختلفة، لكل منها «لغتها» الخاصة. وواجه برنامج RAINMAKER في التمارين ذاتها تحديات محاكية لتشويش إلكتروني، وخداع بيانات «الموقع والملاحة والتوقيت» (PNT) من قِبل قوات معارضة في إطار هذه التمارين العسكرية. ومن أجل التغلُّب على تلك التحديات، طبّق RAINMAKER أشكال موجية جديدة مضادة للتشويش عبر وصلات «تردد راديوي» (RF) وبحث عن قنوات اتصالات مفتوحة لإعادة ضبط الشبكة من أجل الحفاظ على تغذية المستشعرات.
أما مهمة برنامج PROMETHEUS فكانت البحث عن التهديدات والأهداف في تغذية المستشعر التي يؤمّنها برنامج RAINMAKER من منصات «الاستخبار والمراقبة والاستطلاع» (ISR). وما أن تمّ العثور على الأهداف حتى جرى تسليمها إلى برنامج «مزامنة الرمي لتفعيل الردود على نحو أمثل في العمليات المتعددة المجالات» FIRESTORM، ووظيفته اختيار أفضل «رامٍ» للهدف الأكثر ملاءمة له، استناداً إلى موقع وحالة كُلٍّ من الرماة المتصلين بالنظام. وقد قدّم برنامج FIRESTORM لكل هدف، عشرات من حلول الرمي «مستشعر-هدف-سلاح» (sensor-target-weapon) لآمر المعركة الميدانية. وأُرسل ما تمّ اختياره على الفور إلى برنامج «التهديف العملاني العالي الاتّساق والتزامن» Synchronized High Optempo Targeting - SHOT من أجل التنفيذ. وما أن تلقّت الأسلحة المختارة الأمر بالرمي أو إطلاق النار في غضون ثوان، حتى بات بإمكان جميع الرماة الآخرين المرتبطين بالمهمة التفرُّغ لمهام مختلفة. وعند تلك المرحلة، تولّى برنامج PROMETHEUS مهمة تقييم أضرار المعركة. ولم تستغرق كامل العملية المرتبطة بهذا السياق المعقّد المشتمل على أربعة برامج إلّا بضع ثوانٍ فحسب.
توفر أنظمة «من المستشعر إلى الرامي» (STS) وسيلة واعدة للجيوش بغية مُجاراة التطوُّر المتزايد للميادين التي تزداد تعقيداً. ومع ذلك، كما تُظهر تجارب العديد من الشركات الناشئة، فإن مفتاح التطبيق الناجح الذي يتفوّق على المستخدمين هو اتّخاذ خطوات صغيرة وبسيطة. فالملاحة أو التصفُّح في «أنظمة الأنظمة» (systems of systems) الشاسعة وفائقة التعقيد ربما يكون عملاً بسيطاً للآلات، لكن في الميدان لا بُدّ للمشغّل البشري أن يكون أولاً. ^