المسيّرة المستقبلية: مشغّلها يستعين بالذكاء الصناعي!

بعد التحليق بالنموذج الرقمي لطائرة القتال غير الآهلة (المسيّرة) الجديدة Fury على متن الطائرة الاختبارية X-62، حيث مكّن جهاز المحاكاة على متنها من إجراء اختبارات سريعة على نماذج «الطيّارين الافتراضيين» (synthetic pilots) ونماذج الطائرة الرقمية، وهذا ما سلّط الضوء عليه ستيف ترمبل، من «قاعدة إدواردز الجوّية» في كاليفورنيا بمقالة نشرتها «أفييشن ويك أند سبايس تكنولوجي».

«الطراز 437»، هو مفهوم الجناح المخلص لشركة Northrop Grumman وهو مُصمم لدعم برنامج «سكايبورغ» التابع لسلاح الجو الأمريكي، بالإضافة إلى جهود تطوير طائرات غير آهلة دولية أخرى.

كانت الطائرة الذاتية التحليق (autonomous aircraft) التي سُميت Fury، والتي لا تزال قيد التطوير ولم تُصنّع بعد، على بُعْد لحظات من «إقلاعها الافتراضي» للمرّة الأولى في «قاعدة إدواردز الجوّية» بولاية كاليفورنيا في أيار/مايو العام 2023، عندما انسحب ممثّل مُصنّع هذه الطائرة من مقابلة أُجريت على عُجالة.

وقال إندرو فان تميرين، نائب رئيس في شركة «بلو فورس تكنولوجيز» Blue Force Technologies (BFT)، إنّ النموذج الرقمي لطائرة Fury قد حلّق، وانطلقَ عائداً إلى مركز تحكّم مؤقت من أجل التركيز على القياسات عن بُعد عبر شاشة عرض كومبيوتر حضني وتلقِّي تعليقاتٍ من طيّارَيْن متخصّصَيْن باختبارات الطيران التي تُبَثُّ نحو سّماعة الرأس التي يضعها.

إنّ طائرة Fury غير موجودة إلّا كنموذج هندسة رقمية تمّ إنزاله على كومبيوتر على متن «طائرة اختبار الاستقرار المتغاير خلال الطيران» X-62 (VISTA) التابعة لـ «كلية طيّاري الاختبارات» (TPS) لدى «سلاح الجو الأميركي».

وفي العام 2022، استهلّ «مختبر الأبحاث لدى سلاح الجو الأميركي» (AFRL) تصميم طائرة Fury بسرعة 0.95 ماك من ابتكار شركة BFT ومقرّها مدينة «موريسفيل» بولاية كارولاينا الشمالية، وهي شركة صغيرة تسعى إلى تسجيل اختراقٍ في الأسطول العسكري من الطائرات الذاتية التحليق المسيّرة لدى الجيش الأميركي مع تصميمٍ رخيص نسبياً وعالي الأداء.

وبعدما واجهت الشركة تعثُّراً في مسعاها للفوز بعقد إنتاج لطائرةٍ قتالية نفّاثة لصالح سلاح الجو الأميركي، أخذت تعتمد على سلسلةٍ من الاختبارات الأرضية والجوية على متن طائرة محاكاة الطيران X-62، أملاً بالإثبات لمسؤولي الخدمة أنّ نظام الملاحة في طائرة Fury وبرمجيات التحكم باتت ناضجة بما يكفي لمنحها عقداً لمتابعة تطويرها. وفيما يبحث سلاح الجو عن «طائرة قتال تعاونية» (CCA) جديدة، يمكن أن تؤخذ في عين الاعتبار تصاميم منخفضة الكلفة جرى تقديمها إلى سلاح الجو من قِبل مورِّدين غير تقليديين.

وتندرج طائرة Fury في سلسلةٍ من مشاريع مختبر الأبحاث AFRL مع موضوعٍ مشترك: إثبات أنّ الجيل التالي من المسيّرات يمكن تسليمها عند جزءٍ من كلفة سابقاتها وذلك عبر الإفادة من تصميمٍ رقمي، وتصنيعٍ منخفض الكلفة، وفي بعض الحالات، مزايا تراكبية.

تم تحليق طائرة التدريب الفريدة من نوعها VISTA X-62A من شركة Lockheed Martin بواسطة وكيل الذكاء الصناعي لأكثر من 17 ساعة، وهو ما يمثل المرة الأولى التي يشارك فيها الذكاء الصناعي في طائرة تكتيكية

وكانت حملة مختبر AFRL هذه قد بدأت في العام 2015 مع مشروع «تكنولوجيا الطائرة المنخفضة الكلفة القابلة للاستهلاك» Low-Cost Attritable Aircraft Technology (LCAAT). وقد موّل هذا المشروع تطوير الطائرة الذاتية التحليق Kratos XQ-58 Valkyrie وقيمتها 4 ملايين دولار التي بدأت التحليق في العام 2019. وأعقب مشروع LCAAT برنامج «محطة الاستشعار خارج المتن» Off-Board Sensing Station (OBSS).

وفي أواخر العام 2021، اختار مختبر AFRL تصميم Gambit من شركة «جنرال أتوميكس أيرونوتيكال سيستمز»  General Atomics Aeronautical Systems Inc. (GA-ASI) لمنحه عقد برنامج «محطة الاستشعار خارج المتن» (OBSS). وفي مقاربةٍ جديدة لتصميم منخفض الكلفة، من المقرّر بناء طائرة Gambit بأجنحة، وفُتحات سحب هواء، وحُجرات محرّكات، وأسطح تحكّم قابلة جميعها للتبديل، ما يسمح للمشغّل باختيار مختلف أنماط تصميم الطائرة اعتماداً على المهمة.

وتُشاطر طائرة Fury هدف التصنيع المشترك المنخفض الكلفة لمشروعي XQ-58 من مختبر AFRL، و Gambit من شركة (GA-ASI)، لكنّها اتّجهت على مسار مختلف. فبدلاً من تطويرها استجابة لالتماس مختبر الأبحاث AFRL، عرضت شركة BFT طائرة Fury على مديرية التكنولوجيا AFWerx التابعة لمختبر AFRL في العام 2019 للحصول على منحة «بحث ابتكاري لشركة صغيرة».

وخلافاً لمشروع طائرة LCAAT المسلّحة أو طائرة برنامج OBSS المخصصة لجمع معلومات المراقبة، عرضت شركة BFT طائرتها Fury على أنها طائرة هجومية مستقلّة التحليق [غير آهلة] ومنخفضة الكلفة، لاستبدال المقاتلات النفّاثة أو غيرها المُتعاقد عليها مع سلاح الجو الأميركي من أجل أداء دور الهدف للطيّارين البشر الذين يتعلّمون سُبل إطلاق هجمات صاروخية عبر المحاكاة. وفي غضون ذلك، يواصل «سلاح الجو الأميركي» تركيب [برمجيات] طيّارين افتراضيين (synthetic pilots) [بالمحاكاة عبر الرؤية أو بالصور المرئية المركّبة] أنتجها «الذكاء الاصطناعي» (AI) في طائرة Fury تلعب دور منصة هجومية.

طائرة Northrop T-38

وقد حَظِيَ تطوير طائرة مستقلّة التحليق «للمهام في الأجواء المُعادية» (ADAIR) بدعمٍ واسعٍ في البداية. فقد أطلق «مختبر الأبحاث في سلاح الجو الأميركي» AFRL مشروع Bandit في العام 2021 واختار شركة BFT لتصميم طائرة Fury اختبارية في آذار/مارس العام 2022، بعد منحها عقداً بلغت قيمته 15 مليون دولار. وفي غضون ذلك، أدرج سلاح الجو المذكور نحو 67 مليون دولار في خطط الإنفاق على المدى البعيد لبناء طائرة لتنفيذ مهام في الأجواء المُعادية ADAIR ونظّم لقاءات مع مجموعة من المورّدين المحتملين في أواخر العام 2023.

لكنّ أولويات سلاح الجو كانت قد بدأت بالتحوّل. فقد كشف قادةٌ في سلاح الجو بعد أشهر قليلة النقاب عن إنفاق 5.8 مليارات دولار على مدى السنوات الخمس التالية، بدءاً من السنة المالية 2024، على فئة جديدة من «الطائرة القتالية التعاونية» (CCA). أما التمويل الذي كان قد خُصِّص لبناء طائرة مهام ADAIR الاختبارية، فقد اختفى في غضون ذلك، وأبلغَ مسؤولون في سلاح الجو الصناعة بأنّ البرنامج قد يتوقّف.

وقد وضع هذا القرار برنامج Bandit - وطائرة Fury من شركة BFT - في موقعٍ حَرِج. وقد استكملت شركة BFT حتى حينه اختباراً متكاملاً لنظام الدفع على المحرّك النفّاث وحُجرة المحرّك وأجرت مراجعة جذرية لتصميم Fury. لكنّ هذا البرنامج قد يحتاج إلى تمويل إضافي للبدء ببناء الطائرة الأولى واستهلال اختبار الطيران.

في أثناء ذلك، رغب مهندسو BFT في تعلّم المزيد حول تصميم Fury - خصوصاً استبيان أداء برمجيات التوجيه، والملاحة وأنظمة التحكّم بالطيران في خلال التحليق. وعلى الرغم من أنه لم يتم حتى الآن بناء أي طائرة Fury، فإنّ أحد أكثر موارد الاختبار [محاكاة الطيران الرقمي] فرادةً لدى «سلاح الجو الأميركي» يمكن أن يساعد في هذا الصدد.

ويُوضح ذلك لماذا احتشد فريق صغير من مهندسي شركة BFT، ومديري مختبر AFRL والقيِّمين على «كلّية تدريب طيّاري الاختبارات» TPS داخل العنبر الشهير Hangar 1207 في قاعدة «إدواردز» الجوية الآنفة الذكر لمشاهدة التحليق الرقمي الأوّل لطائرة Fury. وقد أخذت طائرة X-62 بشعارها المكوّن من خطوط زرقاء وبيضاء وبرتقالية مكانها في زاوية عنبرٍ جثمت فيه أيضاً سبع طائرات Lockheed Martin F-16، وثلاث طائرات Northrop T-38، وطائرة Calspan Learjet 25.

وكانت هذه الطائرة قد بُنيت في الأساس كطراز F-16D Block 30، وقد أُحيلت من خط الإنتاج في أواخر ثمانينات القرن العشرين وأُرسلت إلى مختبر الأبحاث AFRL. وقام هذا المختبر بتعديل الطائرة التي أُعيدت تسميتها لتصبح NF-16D مع إلكترونيات طيران Block 40 مُصادق عليها لصالح [مملكة] البحرين - حاذفاً جميع المزايا المُصنّفة «سرّية» - وأجاز مجدّداً المقاتلة ذات المقعدَين بصفتها طائرة مجهّزة بقدرات محاكية (flying simulator).

ومن ثم مُرّرت الملكية إلى «كلّية تدريب طيّاري الاختبارات» TPS، ومقرّها «قاعدة إدواردز الجوّية»، التي حدّثت الطائرة لتصبح X-62، تلك التي تميّزت بنظام محاكاة محلّق أكثر قوة. وأضاف الطراز الجديد، الذي وُصِفَ ببرنامج التحديث Gen2020، مزايا جديدة. ويمكن حالياً التحكّم بطائرة X-62 عبر مشغّلٍ عن بُعد أو طيّار افتراضي مولّد بـ «الذكاء الاصطناعي»  المُركّب (AI-generated synthetic Pilot).

 

ومن أجل محاكاة خصائص الطيران للنموذج الهندسي الرقمي لطائرة Fury، تستخدم X-62 خوارزميات تتّبع النموذج طوّرها مشروع «سكانك ووركس» Skunk Works التابع لشركة «لوكهيد مارتن» Lockheed Martin، تلك التي يُصار إلى تحميلها على نظام المحاكاة VISTA (VSS) الذي تُزوِّده شركة «كالسبان» Calspan على المتن. ويتلقّى نظام VSS أوامر من خلال «عصا التحكّم والخنق» (throttle-and-stick) لأجل طائرة Fury، ومن ثم تلحق هذه المُدخلات إلى نُظُم التحكّم «الطيران بالسلك» (fly-by-wire) لمنصة X-62.

وبالتالي، إذا ما وجّه الطيّار أمراً بالانعطاف نحو اليمين، تُحاكي منصة X-62 ذلك بالانعطاف يميناً وكأنها اشتقاق رقمي لطائرة Fury - أو أي طائرة أخرى تُحمَّل خوارزمياتها على نظام المحاكاة في نظام VSS.

وقال فان تميرين: «لذا إذا ما نقرنا على أمر ’انعطفْ 90 درجة‘، على سبيل المثال، فسيتم إرسال هذا الأمر من ثم عبر محطة التحكّم الأرضي من خلال وصلة بيانات إلى الطائرة الاختبارية VISTA. ويمكن للمشغّلين في الطائرة النفّاثة التحرّر من عبء التحكّم، لكن سيرون الطائرة تنعطف 90 درجة إلى اليمين».

ويمكن التحكّم بجهاز محاكاة طيران X-62 من قِبَل مشغّل على الأرض أو طيّار افتراضي مولّد بـ «الذكاء الاصطناعي» المركّب. ومن خلال إرسال أوامر إلى «نظام التحكّم المستقلّ بالمحاكاة» (SACS) المركّب حديثاً، يمكن لمشغّل على الأرض أو وكيل «ذكاء اصطناعي» أن يتولّى مسؤولية الطائرة مع طيّار بشري يبقى على متنها للإقلاع والهبوط وفي حال ساءت الأمور.

ونفّذ نظام SACS تمرينه الأول أواخر العام 2023. فقد سجّل «طيّارون» بـ «الذكاء الاصطناعي» المركّب من ابتكار أربع مؤسّسات مختلفة هي - «إيبي ساي» EpiSci، و«فيزيكس أيه آي» PhysicsAI، و«شيلد أيه آي» ShieldAI، و«مختبر جون هوبكنز للفيزياء التطبيقية» (John Hopkins Applied Physics Laboratory) - 17 ساعة طيران في الإجمال على متن منصة X-62، بما أسهم ببيانات بحثية لصالح برنامج «عمليات القتال الجوي المستقلة» (Autonomous Air Combat Operations) من مختبر AFRL وبرنامج «تطوّر القتال الجوي» (Air Combat Evolution) من «وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدّمة» (DARPA) الأميركية.

وقال أليسون توري، مدير برنامج Bandit لدى مختبر AFRL: «من بين المنافع الكبيرة هناك المشاركة الأوّلية لخبراء الاختبار والقدرة على إدماج هندستنا في منصة تجارب طائرة من أجل التمرُّس على إرسال رسائل إلى نظام تحكم على المتن، والتمرُّن على الكثير من تلك العُقَد قبل بناء المكوّنات المادية الفعلية».

ويوفر نظام SACS مقاربة جديدة لاختبار طيّارين افتراضيين جدد مُولَّدين بـ «الذكاء الاصطناعي» المركّب عل نحو سريع. وفي اختباراتٍ سابقة على الهندسة المستقلّة لبرنامج Skyborg من مختبر AFRL، احتاج «سلاح الجو الأميركي» إلى استخدام إجراءات جوفضائية مانعة للتضارب من أجل تشغيل طائرة مُضيفة غير آهلة، على غرار MQ-20 Avenger من شركة (GA-ASI)، ومن خلال استضافة مثل تلك الهندسات في «نظام التحكّم المستقلّ بالمحاكاة» SACS على متن طائرة X-62، أمكن للطاقم الإقلاع وكأنه يُقلع فعلياً بأي مقاتلة أخرى، والتحليق إلى قطاعٍ جوفضائي معيّن ضمن ممرٍّ اختباري ونقل التحكّم من ثم إلى طيّارٍ افتراضي مولّد بـ «الذكاء الاصطناعي» المُركّب.

وفي المستقبل، يمكن لاشتقاقٍ إنتاجي لطائرة Fury أن يُحلّق عبر طيّارٍ مُولّد بـ «الذكاء الاصطناعي» (AI-generated Pilot) كُلّياً. فمثل هذه الطائرة لن تكون غير آهلة فحسب، بل ستغدو بذكائها الاصطناعي مستقلة (Autonomous) خارجة عن التحكُّم المباشر للبشر!^

تاريخ المقال
العدد
العدد حسب الاشهر
السنة
2025
رقم الصفحة
32

أخر المقالات