أنظمة المسيّرات والذخائر المتسكعة: عماد الحرب المستقبلية
في تشرين الأول/ أكتوبر 2020، دمرت المسيّرات TB2 وHAROP الأذرية، والذخائر المتسكعة ORBITER، ثمانية مدافع هاوتزر أرمينية كانت رابضة في مواقع محمية من النيران المضادة. دُمرت مدافع الهاوتزر في ضربة أحادية التي استغرقت دقائق معدودة. لقد حققت أنظمة المسيرات، وخاصةً مسيرة على غرار BAYRAKTAR TB2 وذخائر متسكعة على غرارHAROP الإسرائيلية الصنع، أذربيجان تفوقاً حاسماً ضد خصومها الأرمن. وكررت أذربيجان هذه الهجمات ضد منشآت المدفعية والمدرعات والقيادة والسيطرة والمواقع العسكرية أثناء حرب «ناغورنو كاراباخ» الثانية، وحققت نصراً حاسماً في 44 يوماً.
بعد نحو عامين تقريباً، في نيسان/ أبريل 2022، عندما دمرت ثمانية مدافع هاوتزر روسية من طراز D-30، عيار 122 ملم، بلدة أوكرانية في منطقة خيرسون، حلقت المسيّرة القتالية الأوكرانية من طراز BAYRAKTAR TB2 في المدى الفعال. ودون أن يراها المدفعيون الروس، ودون أن تتمكن وحدات الدفاع الجوي التي كانت تحميهم من تحديد هويتها، عيّنت طائرة TB2 ليزرياً مدفع هاوتزر روسياً بضربة صاروخية. على بعد عدة أميال، وعلى مسافة آمنة من نيران العدو، قام مشغل مسيّرة أوكراني «بدفع» TB2 إلى ارتفاعات أعلى للحصول على رؤية أفضل للضربة. وبمراقبة شاشة العرض الخاصة به، بثت مجموعة أجهزة الاستشعار عالية الأداء EO/IR في طائرة TB2 صوراً فيديوية في الوقت الحقيقي لتقدم الصاروخ إلى وحدة التحكم. وفي غضون ثوانٍ، اندلعت النيران في مدفع الهاوتزر الروسي وهتف مشغّل المسيّرة الأوكرانية TB2. ثم واصل مشغل المسيّرة تحليق TB2 لتدمير ثلاثة مدافع هاوتزر إضافية. وبعد استهلاك جميع صواريخها، حدد مشغل TB2 المدافع الروسية المتبقية لتنفيذ الرمي المدفعي. وفي غضون دقائق قليلة، أصبحت بطارية المدفعية الروسية بأكملها خارج الخدمة.
تتميز المسيّرات القتالية (UCAVs) بتعدد استخداماتها مقارنةً بالذخائر المتسكعة، إذ باستطاعتها تنفيذ مهام الاستطلاع، وتعيين الأهداف ليزرياً على متنها، والعمل كصاروخ روبوطي غير آهل ومنصات إطلاق القنابل. ومن الأمثلة على أحدث جيل من المسيّرات، المسيّرة الأميركية «بريديتور سي أفنجر» Predator C Avenger. تعتبر Avenger واحدة من أكثر المسيّرات القتالية اقتداراً في العالم، كما أنها الأعلى كلفة. بكلفة تقديرية تراوح بين 70 و150 مليون دولار أميركي (الأكلاف الدقيقة سرية)، باستطاعة Avenger التحليق بسرعة 460 ميلاً في الساعة، وعلى ارتفاع أقصى يبلغ 50,000 قدم، والمكوث في الجو لمدة تصل إلى 18 ساعة تحليق، وهي مزودة بنقاط تعليق تستوعب ستة صواريخ «هيلفاير» أو مؤثرات أخرى. تُمثل Avenger السلاح الخيار لخرق وتدمير ومنع دخول المحاور المعادية للمناطق الدفاعية (A2/AD)، وهو شرط أساسي لتحقيق السيادة الجوية.
بالمقابل تقدم المسيّرة القتالية BAYRAKTAR TB2، التي تنتجها شركة «بايكار» BAYKAR التركية، خياراً أقل كلفة للاستطلاع والهجوم فائق الدقة. تراوح كلفة كل مسيّرة TB2 بين 3 و10 ملايين دولار أميركي، وهي صفقة رابحة قياساً بكلفة Avenger. إن TB2 بطيئة وليست شبحية، لكنها لا تزال تتصدر عناوين الأخبار في الحرب الروسية الأوكرانية المستمرة. استحوذت أوكرانيا ما يقرب من 20-30 مسيّرة TB2 قبل الاجتياح، واستخدمتها بنجاح ضد الجيش الروسي. يستخدم الطراز الحالي من TB2 الذي هو قيد الخدمة في قوات الدفاع الأوكرانية وصلة راديوية مباشرة على امتداد خط النظر. كان من المفترض أن تكون أنظمة الحرب الإلكترونية المتقدمة الخاصة بالجيش الروسي قادرة على التشويش الراديوي ثم مسح السماء بمسيرات TB2 وجعلها صافية باستخدام أنظمة الدفاع الجوي متعددة الطبقات الخاصة بها، ولكن لم يمنع التشويش ولا الدفاع الجوي مسيّرات TB2 من الاشتباكات الناجحة. هذا يعني أن أنظمة التشويش الروسية المضادة للمسيّرات القتالية (CUAS) والحرب الإلكترونية ليست مؤهلة للدفاع ضد هذا التهديد. تُنسب العديد من التقارير لصالح TB2s أنها ساهمت بتدمير نظام الدفاع الجوي PANTSIR-S1، وهو سلاح كان في ما مضى صُمم خصيصاً للتغلب على الطائرات والطوافات والذخائر فائقة الدقة والصواريخ الجوالة والمسيّرات. يعتبر رادار الصفيف المرحلي الخاص بِـ PANTSIR غير فعال في تحديد تهديدات محلّقة ببطء على غرار TB2. يمكن أن تكون TB2 لعبت أيضاً دوراً في الدفاع ضد القوات البحرية الروسية حيث تزعم تقارير متعددة ومستقلة أن غرق الفرقاطة الصاروخية الروسية موسكفا مؤخراً تضمن هجوماً صاروخياً ومسيّراً التي شملت استخدام TB2 لذخائر متسكعة وذكية مجهزة برؤوس حربية متفجرة وأطقم توجيه بإمكانها التسكع فوق منطقة ما ورصد الأهداف ومن ثم ضربها.
تشير شركة AeroVironment الأميركية إلى ذخائرها التي تعتبر «صواريخ متسكعة». وهي وسيلة مقتدرة ومجزية اقتصادياً للهجوم الدقي، وأصبحت الذخائر المتسكعة نظام أسلحة رئيسياً في ميدان القتال الحديث ومتعدد المجالات. في أي اشتباكات عسكرية، يكون التوقيت عاملاً حيوياً، وتوفر الذخائر المتسكعة قدرة «التسكع والاستشعار والضرب» التي بإمكانه خفض مدة الاستهداف من عدة دقائق إلى عدة ثوانٍ. وعلى عكس الطائرات التقليدية، تتطلب معظم الذخائر المتسكعة مدرجاً صغيراً أو معدوماً، ومعظمها يُطلق من سكك حديدية أو يمكن أن يطلق عمودياً. بعض الذخائر المتسكعة على غرار الذخائر HAROP المطوّرة من قِبَل شركة الصناعات الجوية الإسرائيلية (IAI)، تُطلق من صناديق رمي مركّبة على شاحنات، وهو أقرب ما يكون إلى قذائف صاروخية متعددة. بإمكان ذخائر HAROP التسكع فوق بقعة الهدف لمدة ست ساعات (الطراز البري)، أو تسع ساعات (الطراز البحري)، وحمل رأس حربي متشظي قياساً بقذيفة هاوتزر المعيارية عيار 155 ملم الخاصة بحلف شمال الأطلسي. إذا لم تتمكن HAROP التعرف على هدف مناسب، فإنه ينتقل إلى أولوية لاحقة، أو إذا لم يُرصد أي هدف، فإنها تعود تلقائياً إلى نقطة هبوط أرضية محددة لاستعادته وإعادة استخدامه. تتوافر حالياً تشكيلة واسعة من الذخائر المتسكعة، بدءاً بالطرز قصيرة المدى على غرار SWITCHBLADE الأميركي الصنع، وصولاً إلى المدى الأطول بِـ HAROP. وبفضل أكلافها المتدنية عند مقارنتها بسعر أهدافها، فإن الذخائر المتسكعة تبقى وسائل مجزية اقتصادياً تقوم بتوفير ضربات دقيقة ومتواصلة.
في نهاية المطاف، سيتكيف الخصوم، وسيصبح من الصعب بشكل متزايد على الطراز الحالي لِـ TB2 العمل في ميدان القتال المتنازع عليه. ولمعالجة هذا الأمر، طورت شركة BAYRAKTAR طرازاً محسّناً لِـ TB2S يتم التحكم به ساتلياً، مماثلاً للمسيّرة Predator الأميركية الصنع الأعلى كلفةً. ستكون كلفة TB2 أعلى، لكن قدراتها المتزايدة ستسمح لها بالعمل ضد أنظمة حرب إلكترونية أكثر تقدماً. إضافة إلى ذلك، تقوم BAYRAKTAR بتطوير اشتقاق جديد تحت مسمى TB3. سيُقلع نظام الجيل التالي هذا ويهبط على مدارج أقصر، ويمكن استخدامه على متن حاملات الطائرات، وله أجنحة قابلة للطي لوضعها على السفن، ويمكنه حمل ستة صواريخ، أي أكثر بصاروخين من TB2. ومثل سابقتها، ستنفّذ TB3 مهام الاستطلاع والمراقبة والاستخبار والهجوم. وبحسب موقع BAYKAR الإلكتروني، سيكون لدى TB3 نظام تحكم ساتلي يُوفّر قدرات اتصال ضمن خط النظر (LOS) وما بعد خط النظر (BLOS)، ما يجعلها أكثر كلفة من مسيرات القتال الأميركية والناتو. ومن شأن ذلك أن يسمح لِـ TB3 التواجد في أي مكان على الأرض طالما استمرّ الاتصال ساتلياً. أفادت BAYKAR أن TB3 يفترض أن تكون دخلت الخدمة في العام 2023.
يقوم الطيارون البشريون الجيل الحالي من المسيّرات القتالية والذخائر المتسكعة عبر رابط نقل بيانات، ولكن قريباً ستحل الأنظمة الآلية وأنظمة الذكاء الصناعي محل الحاجة إلى مُشغّل بشري. سينتقل دور المُشغّل البشري من التحكم الفعال في النظام إلى قيادته. وتسمح قيادة النظام بتفعيله للطيران وضرب الأهداف داخل منطقة هجوم مُحددة وفقاً لأولويات التهديف المُحددة مسبقاً. سيُنفّذ النظام آلياً مهمته المُبرمجة مسبقًا، ولكن قد يظل هناك شخص مُشارك في الحلقة للتدخل وإلغاء أو تغيير نقطة الهجوم. إن هذا التحول من «التحكم» إلى «القيادة» سيصبح ممكناً مع تطوير مُصنّعي المسيّرات لأنظمة أكثر ذكاءً. على سبيل المثال، فإن SkyStriker الخاصة بِـ Elbit Systems هو نظام ذخائر متسكعة مستقل بالكامل، باستطاعتها تحديد موقع وحيازة وضرب الأهداف المُحددة تلقائياً. إذا رغب المشغّل، يُمكن لأنظمة كهذه السيطرة بأقل قدر من التفاعل البشري داخل ميدان قتال مُحدد. وتسعى دول غربية لأن تُبقي الإنسان داخل حلقة العمليات، لكن روسيا والصين قد لا تكونان حذرتين في هذا الشأن.
يتضمن مستقبل الحرب السيطرة على ميدان القتال برمايات مستمرة ودقيقة ومدمرة، حتى لو حصل ذلك في اللحظات الحاسمة فقط. وفيما تصبح الأنظمة غير الآهلة أكثر ذكاءً وفتكاً، فإن الذخائر المتسكعة والمسيرات (UCAVs) ستقدمان الوسائل اللازمة لتحقيق هذا الهدف. تُعدّ العربات الجوية غير الآهلة والمسيرات مُضاعِفات قوة ستُغيّر أساليب الحرب. من الواقعي أن نتصور، على المدى القريب، أن كل فصيلة هاون واستطلاع ومناورة ستحتوي على وحدات من الذخائر المتسكّعة، وستحتوي منظمات المدفعية على بطاريات أسراب من مسيرات قتالية. هذا لا يعني بالضرورة أن الدبابات عديمة الفائدة، فالدبابات تُوفر وسائل الهجوم والمناورة وغيرها، التي لا تقوم المسيّرات بها، ولكن الدبابات لن تنجو وتنتصر إلا إذا اعترفت بذلك وتجهزت لهذا الغرض وستكسب مزايا تكتيكية واستراتيجية هائلة.^