المستقبل الدفاعي... للذكاء الصناعي!
ما فتئ الحديثُ عن آفاق «الذكاء الصناعي» (AI) وإحداثه لثورةٍ في سُبُل عملنا وحياتنا وتقدُّمنا كجنسٍ بشري يزداد يوماً بعد يوم، حتى على الساحة الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية. فقد كشف سيندار بيتشاي، المدير التنفيذي لشركة محرّك البحث الشهير «غوغل» (Google)، قبل فترة على سبيل المثال، بأنّ «الذكاء الاصطناعي» قد يكون له تأثير عميق على مجتمعنا أكثر ممّا أحدثه اكتشاف النار أو الكهرباء..
أما تسارع خطى التغيير التكنولوجي، خصوصاً في ما يتصل بالمُعالجة الحاسوبية وقدرات الذاكرة الكمبيوترية مقرونةً بخوارزميات «تَعلُّم الآلة» (machine learning)، فيعني أن المجتمع البشري يشهد بالفعل بعضَ ثمار أبحاث «الذكاء الصناعي» (AI). فقد خُفِّض الوقت المطلوب لإنجاز مهام تشمل كميات هائلة من البيانات، تلك التي كان إنجازها يستغرق أسابيع بل أشهر، إلى مجرّد أيام قليلة فحسب، ما لم يكن بضع سويعاتٍ بفضل «الذكاء الصناعي».
وتُحقّق شركات عالمية رائدة على غرار «أمازون» (Amazon)، و«فيسبوك» (Facebook)، و«غوغل» إنجازات ضخمة متتالية وتمضي قُدُماً بخطى سريعة في هذا الحقل، لتُحلِّل بياناتٍ كتلك التي تُحدِّد سلوكيات العملاء الشرائية والاجتماعية في المؤسسات، وكذلك تستكشف مناهج الأعمال الداخلية على غرار التوظيف، والإنتاجية وإدارة المخزون.
ويقع «الذكاء الصناعي» أيضاً في صميم التكنولوجيات التحويلية كمثل السيارات الذاتية القيادة والعربات غير الآهلة (UAV) الأخرى، مثل المسيّرات و«الدرون». وبما أن هذه المنصات تُعتمد في مراكز حضرية مكتظة بالسكّان، فإن الأتمتة البسيطة (مثل اتّباع طريق أو نمط مبرمج مسبقاً) لم تعد كافية - ويتعيّن على الآلات أن «تُفكِّر من تلقاء ذاتها» للتصدّي للتحديات المعقدة التي تُواجهها.
ولا يمكن تجاهل الفوائد والمنافع التي يُقدّمها «الذكاء الصناعي» للمجتمع، ويتعيّن على الصناعة الدفاعية أن تُواصِل السَّعِي إلى إرساء سُبُلٍ من شأنها أن تفيد من هذه التكنولوجيا المزدهرة، ليس فقط للكسب المؤسّسي - كما يفعل عمالقة «وادي السيليكون» (Silicon Valley) - بل أيضاً لكسب تفوّقٍ في القدرات على الخصوم في الميدان.
يقضي الواقع التكنولوجي السائد حالياً بأنّ الأنظمة الدفاعية باتت تستوعب وتُعالج وتُحلّل كميات من البيانات أكبر بكثير من ذي قبل. والحقل الأبرز الذي يبدو فيه هذا التطوُّر واضحاً هو جمع المعلومات الاستخبارية، بجميع أشكالها وأنماطها. فمنصات الاستخبار تجمع حالياً كميات هائلة من البيانات، لكن ليس هناك ببساطة ما يكفي من الكوادر للتنقيب فيها واستطلاعها وتحليلها والاستخلاص منها، لذا يُفقَد قدرٌ كبير من المعلومات الحسّاسة.
وعلى سبيل المثال، غالباً ما تتضمّن منصّات الاستخبار المتعدّدة المحمولة جواً العديدَ من المستشعرات: رادارات للإنذار المبكر المحمول جواً، مستشعرات «استخبار إشارة» (SIGINT) لتحليل مصادر البث والإرسال والإشعاع (emitters) من مصادر الخطر؛ وأبراج مستشعرات «بصرية إلكترونية/ أشعة تحت الحمراء» EO/IR للتصوير البعيد المدى. إنها حقاً كمية كبيرة من البيانات الاستخبارية التي يتعيّن نقلها من منصة واحدة لعددٍ محدودٍ جداً من المُحلِّلين.
إنّه ذلك المجال الذي سيُؤدّي «الذكاء الاصطناعي» (AI) فيه دوراً أساسياً، بمؤازرة المُحلِّلين البشر والتبحُّر في كميات هائلة من البيانات لخدمة غرضٍ محدّد منشود، واستكشاف أهداف محتملة تحظى باهتمامٍ شديد، والإضاءة على مواقع ساخنة تُشكّل مصادر محتملة للمشكلات قبل أن تبدأ.
وثمة تقدُّم كبير بالفعل يُسجّل في تنظيم «الاستخبار الجيومكاني» (geospatial intelligence)، الذي يُغطّي بياناتٍ من مجالاتٍ متعدّدة إلى جانب الاعتبارات العملانية على غرار التضاريس، والانتماءات السياسية بل وحتى تنبؤات الأحوال الجوية، وهناك وعودٌ بتحقيق مزيدٍ من التطوُّرات المُلفتة في المستقبل، ربما القريب.
وهناك إمكانيات أيضاً لـ «الذكاء الصناعي» و«تعلُّم الآلة» في مجال الإجراءات المضادة، حيث تتوقّع شركات مختصة بـ «الحرب الإلكترونية» (EW) أمثال شركة «ماس» MASS أنّ هذه التكنولوجيا ستتصدّى لتهديدات مستقبلية مثل الأسلحة الفائقة لسرعة الصوت. ولن يكون صنع القرار البشري، خصوصاً عندما يتعلّق الأمر بتطوير إجراءات مضادة، سريعاً بما يكفي لهذا الجيل التالي من الأسلحة، لذا ستكون ثمة حاجة لـ «الذكاء الاصطناعي» لمعرفة متى يكون عدوٌّ ما جاهزاً لإطلاق عدوانٍ استناداً إلى بياناتٍ من أعلى سلسلة التراتبية في المجموعة المهاجمة (أي المجموعة القتالية في الميدان المتحرّكة نحو مواقع هجومية).
وستحتاج الإجراءات المضادة بحدّ ذاتها أيضاً إلى التكيُّف. فحماية المنصة اليوم، ولو أنها متقدّمة، لا تزال تعتمد على «مكتبة تهديدات» (threat library) معروفة لتحديد سِمَات التهديد واختيار إجراء مضاد ملائم، لكنّ هذه الإجراءات التقليدية تبقى فعّالة حتى تتم مواجهة مصدر بثٍّ وإرسال وإشعاع (emitter) مجهول.. فيقتضي عندها الاستعانة بالذكاء الصناعي.
وفي الولايات المتحدة، تعمل «وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدّمة» (DARPA) على إجراءاتٍ رادارية مضادة متكيّفة تستخدم «الذكاء الصناعي» و«تعلُّم الآلة» لتحديد سِمَات مصادر بث راداري وإرسال وإشعاع (emitter) مجهولة، وتحليل ما إذا كانت تُمثِّل تهديداً، وإذا كان الأمر كذلك، استحداث إجراء مضاد في الوقت الحقيقي. إنه إجراءات مضادة معقّدة غاية التعقيد ولا تزال في مراحلها التطويرية الأولى، لكنّ «الذكاء الاصطناعي» سيكون ذا دورٍ حاسم هنا إذ من المُحال على البشر القيام بذلك.
تماماً كما في المجال التجاري، ثمة هواجس حول «الذكاء الاصطناعي» في المجال العسكري، ما لم تكن هواجس أشدّ وقعاً. فـ «الذكاء الصناعي» سيُستَخدم على نطاقٍ أكبر في العمليات الأمنية، وتحليل نقاط البيانات من الكاميرات ومستشعرات أخرى في المناطق الحضرية الآهلة ومحطات المواصلات من أجل التحديد مسبقاً ما الذي يمكن أن يُشكّل تهديداً. وسيُضاعف ذلك من مخاوف القمع وحدّ الحرّيات.
ولا بُدّ أيضاً من إثارة السؤال: إلى أي مدى يمكننا أن نسمح لآلةٍ ذكية بتحديد التهديدات والتعامل معها؟ وفيما يتمحور التركيز على «الروبوتات القاتلة» (killers robots) المستقلّة الذاتية الحركة يمكننا أيضاً أن نستشرف واقع أنّ الآلات، بإمكانها عبر «الذكاء الاصطناعي» أن تُخبر في نهاية المطاف أيَّ مشغّلٍ بشري مَنْ أو ما ينبغي «قتله» أو «تدميره» - في تجسيدٍ واقعي مختلفٍ جداً لكنّه مرعب!